مصطفى عرام يكتب: كلام فى المليار

Download Free Games

 

بقلم مصطفى عرام

 

المصريون.. شعب جبار بطبعه، تظهر عليهم أعراض الأصول الفرعونية عند الحاجة، فمثلا، إذا سافر أحدهم إلى الخارج، أبهرهم بتفوقه وانضباطه والتزامه، أما فى بلده، فهو ما شاء الله.. أفشل خلق الله فى الأرض.. ما علينا.. "بلاش نجيب سيرة الناس فى الصيام".

 

إذا نظرت فى طبيعة أرقام أى مشروع من المشروعات الاستثمارية، ستجد حقيقة مذهلة، هى أن أى مشروع استثمارى خاص يحقق أرباحا مهولة، يربح بطريقة تثير الدهشة، كأن "الفلوس تلد منها لنفسها" على أيديهم.

 

أما إذا بحثت فى أرباح الشركات الحكومية، فستجد الخسارة تتصدر الواجهة، بل الأفضل أن نسميها "إحدى شركات الخسائر الحكومية"، التابعة لـ"الشركة القابضة للخسارة العامة"، أما أن تسمع عن ربح إحدى الشركات الحكومية، فإنها تصبح "سُبة" فى وجه مديرها، كيف يحقق ربحا.. إنه جنون بل من رابع المستحيلات، كأن الخسارة خلقت لنا والأرباح لهم، حكمتك يا رب.

 

من بين القطاعات التى لفتت نظرنا إلى أننا يمكن أن نحقق ربحا معقولا يوما ما، هو قطاع الاتصالات، أرباحه جزافية، لا حدود لها، وخوفا من الحسد ومن "العيون المدورة"، لن تجد رقما صريحا أو واضحا عن إحدى الشركات الثلاث، فقط أرقام محددة عن الشركة الحكومية. حاولت البحث عن أرقام واضحة عن أرباح شركات الاتصالات، فلم أجد أرقاما مباشرة سوى عن شركة مصر للاتصالات، وأنها حققت نموا بلغ 25 فى المئة، وحققت عوائد بلغت 8 مليارات جنيه، وأنها تستعد للدخول لسوق المحمول لتحقيق عوائد تصل إلى أكثر من 30 مليار جنيه.

 

إذا.. أول الكلام بالمليار، وهذا معناه أن أقل شركة محمول تحقق أرباحا تقدر بـ30 مليار جنيه.

 

كانت هناك أرقام أخرى تقول إن عدد المشتركين فى موبينيل "أورانج حاليا" يتجاوز 30 مليون مشترك، بينما فودافون نحو 34 مليونا، ونحو 10 ملايين فى اتصالات.

 

هناك مؤشر آخر فى عام 2011 يقول إن أرباح شركات الاتصالات فى البورصة بلغت 5.84 مليار جنيه، بزيادة 4.1 مليار جنيه عن 2009، وبنسبة تجاوزت 200 فى المئة بمراحل، رقم آخر يقول هذا العام إن اتصالات مصر حققت 6.4 مليار جنيه خلال 9 أشهر، وصافى الأرباح 227 مليون جنيه.

 

الأرقام تشير إلى أن المعدل يبلغ مليارين سنويا للشركة الحكومية، ومن 2011 إلى الآن فربما يكون الرقم المحقق 16 مليارا، هذا فى أحسن الأحوال، ولأنها لم تدخل مجال المحمول، الذى يحقق أرباحا تتجاوز 30 مليارا سنويا، إذ فقاعدتنا هى الرقم 30 مليار لشركة واحدة!!

 

لن أضاعف المبلغ قياسا بعدد الشركات الثلاث، ولكن سأكتفى بالـ30 مليار، إذا.. المصريون يتحدثون بـ مليار جنيه شهريا، أى أن المصريين ينتجون كلاما بمليارات الجنيهات شهريا.. أرجوك لا تتعجب.. إنها إرادة الله.

 

الكلام فى حد ذاته وظيفة.. لدرجة أنه توجد وظائف كثيرة قوامها الأساسى الكلام، مثل المحامين، المغنين، الممثلين، المذيعين، والتليفونست، وأخيرا نبطشى الفرح، جميعهم مهنتهم الكلام، ومن حكمة الله أن أجورهم جميعا من أعلى الأجور، حتى النبطشى.. باسم الله ما شاء الله.. عينى عليه باردة.

 

الأمر الآخر.. وهو خاص بالكلام أيضا، يتعلق بالمرحلة العمرية للشعب المصرى، والتقسيم الفئوى، بمعنى..

 

نحن شعب قوامه الأساسى الشباب، وبما أن الثلثين من الشباب، فإن طاقتهم للكلام أضعاف أضعاف الكبار والعجائز، وأضعاف أضعاف الصغار لأنهم "لسه بيتعلموا الكلام".

 

أما تقسيم الشعب المصرى لذكور وإناث، فقد وهب المولى عزوجل الأنثى المصرية موهبة فطرية وقدرة عجيبة على الكلام، بل إنها يمكن أن تتحدث إلى 4 فى لحظة واحدة، بل وتقنعهم برأيها إما رضاء وإما قهرا.

 

الغريب، أن شعوب الأرض تقترض "تستلف يعنى" من أجل توفير مشروعات تنموية، تحقق إنتاجا يكفيهم ذل وشر السؤال مستقبلا، أما نحن.. فمن بين شعوب الأرض، الشعب الوحيد الذى يقترض من أجل شيئين، من أجل أن يأكل، أو "يستلف علشان يتكلم" رغم أن شركات الاتصالات كفلت لك أرقام الطوارئ مجانا، ومع ذلك، وعلى الرغم من الأرباح التى تحققها الشركات الثلاث، فالشعب المصرى تقريبا مديون لها جميعا، كل فرد عليه مديونية بقيمة 10 جنيهات لـ"خدمة سلفنى شكرا"، وهذه هى البطحة التى تعلو رءوسنا جميعا.

 

وبحلول الشهر الكريم.. تتعامل معنا الشركات الثلاث بعروض أكثر ابتزازا، لتكشف لنا عن آفة ثالثة فينا ـ بخلاف الاقتراض من أجل الطعام أو من أجل الكلام ـ ألا وهى السهر من أجل الكلام.. وبالتالى، تأتى عروض الشركات المغرية للكلام ليلا، ولا تعمل حسابا لكوننا بشرا ننام ليلا.. "إحنا الى عملنا كدا فى نفسنا".

 

الأكثر غرابة.. أن الشركات الثلاث تستعمل لإعلاناتها نجوما تقدر أجورهم بالملايين.. فهل هو تحد سافر مثلا.. أيا كان الأمر، فكله من جيب الزبون.. أقصد المواطن، رغم أن المواطن يدفع دم قلبه فى الكارت بالقروش والجنيهات القليلة، لكنه يتحسر عليها عندما يشاهد:

 

إسعاد يونس "اللى لابسة طقم محمد صبحى" وأحمد السقا "أبو حمالات" وشيرين آه يا ليل وشريف منير وسمير غانم "فطوطة اللى عجز" وليلى علوى "اللى ما بتكبرش" ومنة شلبى "الناضجة جدا" وحكيم ودرة وأشرف عبد الباقى.. يشاهدهم جميعا يغنون وينعمون بأجور بالملايين، كانت فى الأصل ملاليم فى جيبه خرجت بسبب عدم قدرته على كبت رغبته فى الكلام طوال الوقت:

 

فى الشغل بيتكلم.. فى البيت بيتكلم.. على القهوة بيتكلم.. فى المواصلات بيتكلم.. فى المترو.. فى الفرح.. فى العزاء فى الحلم..

 

وفى النهاية.. ممكن ببساطة تتحبس لو ما دفعتش.. تقول عملوا علىّ فيلم.. ما عملوش.. الجنيه فى الحالة دى هو اللى بيتكلم، وفى النهاية.. تتراكم الملاليم لتصبح ملايين.. ثم مليارات.. لتطير إلى الخارج بلا رجعة. أتحدث هنا جميع شركات المحمول.. لا شركة بعينها، فجميع الشركات تضع أيديها فى جيوب المواطن.. كأنها الزوجة الثانية.

 

أعرف أناسا يعانون مر المعاناة من شركات محمول.. فواتير بالآلاف تسدد من قوتهم اليومى.. ولا يملكون إلا الدفع أو الحبس.. هذا بخلاف عامل السرية المنتهك بلا شك.. وتلك مصيبة أخرى.

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة(NEWS 

Download Free Game
الصفحه نيوز