محمد الطويل يكتب :كيف تقتل بضمير مرتاح 1-3

Download Free Games

ندرك جميعاً- خاصة في شرقنا السعيد- أهمية اختيار الأصدقاء، وهى أهمية تم إقرارها في جميع الديانات والحِكَم والأمثال: «قل لى من تصادق أقل لك من أنت».. «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه» (297 الكهف)، «من يتقِ الرب يحصل على صداقة صالحة لأن صديقه يكون نظيره» (سفر يشوع 16: 17) «قبل أن تموت أحسِن إلى صديقك وعلى قدر طاقتك ابسط يدك وأعطه» (13: 14). من هنا كانت القناعات والدعوات المتعاقبة بمرور الأجيال لاختيار الصاحب والصديق قبل الطريق. كل هذا يتم إدراكه وغرسه في نفوس أبنائنا من المهد إلى اللحد.

ولكن ما لم ندركه أو نحاول تربية أبنائنا وتدريبهم عليه هو أهمية صنع العدو في حياتهم، فوجود عدو قوى واضح ومنافس له أهمية في حياة الأفراد والشعوب، فالفرد الذي لا يوجد في حياته ند قوى محترم هو إنسان فاقد للهدف وللطموح المشروع والمشرف، ودائماً خامل راضٍ بنصيبه ومستواه، متشبث بمفاهيم مغلوطة ومُحبِطة، ويستخدم مُسكنات واحدة لا تتغير، تُختصر في كلمتين، هما «كله بأمره»، متناسياً الفارق الرهيب بين التسليم بالأمر والقضاء بعد الأخذ بالأسباب، والتسليم مع فقدها وانعدامها.

 

أما استفادة المؤسسات والشعوب فهى تفوق استفادة الأفراد في صنع العدو، فالدول المتقدمة تعانى وتضطرب عند فقد العدو القوى والمعتبر، والتاريخ وتوالى الإمبراطوريات يدلان على هذا.. ومن هنا كان قلق الغرب من تفتت الاتحاد السوفيتى، وتأكيد أرباتوف، المستشار الدبلوماسى للرئيس السوفيتى جورباتشوف، حينما قال- موجهاً حديثه للغرب: «سنُسدى لكم أسوأ أنواع الخدمات.. سنحرمكم من وجود عدو».

 

فوجود العدو الصلب المتماسك مهم جداً لصهر الأمة، وتأكيد قدوتها، وإشغال قطاعات عدة على رأسها القطاعان الصناعى والعسكرى.

 

ولهذا تقوم الدول الكبرى عن طريق أجهزة تخابراتها وصناع الرأى فيها، ومراكز التفكير والتخطيط الاستراتيجية بالاشتغال الواعى على صنع العدو، سواء كان هذا العدو منافساً عالمياً، أو عدواً قريباً، أو عدواً داخلياً حميماً، وهذا ما أوضحه، وأراد لفت النظر إليه «بيار كونيسا»، في مؤلفه الرائع «صنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح؟»، مؤكداً خطورة هذا الفهم وهضمه والاطمئنان إليه، وكيف يتعامل الغرب مع الحالتين: اختيار الصديق.. وصنع العدو، فالغرب يقدر الصديق ويُثمنه حسب قدر المصلحة وثقلها، وهذا مرفوض تماماً في عقيدتنا وعاداتنا، فالصديق لديهم لحظى وعرَضى، أما عندنا فينبغى أن تبسط يدك إلى صديقك بالخير، ولا يفرق بينكما إلا الموت.

وفى صنعهم للعدو لا يخلو الأمر كذلك من دس السم في العسل.. فالعدو لديهم مزيجٌ من عدة أصناف، وهى أصناف غير نقية تماماً، ومن بين هذه الأصناف: عدو الحدود، وعدو الكوكب، والعدو الحميم «أو الحرب الأهلية» والعدو الخفى، وهو ما نطلق عليه «نظرية المؤامرة»، والعدو الإعلامى، والعدو المتصور. كل هذه الأنواع يتم استخدامها وتحريكها، بل تمويلها حسب الظرف الراهن، وقدر المصلحة المشتركة.. ويتم القضاء عليها في الوقت المناسب، وتحت شعارات سياسية وإعلامية مقننة، ونحن مازلنا نبحث، ونحاول الاستفادة فقط من أصدقائنا ناعمى الملمس، منتفخى الجيوب.

 

mogtahed44@yahoo.com

نقلا عن  المصرى اليوم 

Download Free Game
الصفحه نيوز