الدكتور أيمن الجندي يكتب: هيكل: الذئب الجميل الممتع

الدكتور أيمن الجندي يكتب: هيكل: الذئب الجميل الممتع

الدكتور أيمن الجندي يكتب: هيكل: الذئب الجميل الممتع
Download Free Games

'

''
لعل السادة القراء لا يعلمون أنني من عشاق هيكل. قرأت كتبه مرات لا أحصيها من فرط كثرتها حتى صارت مطبوعة في عقلي! لسنوات طوال ظلت هي الكتب التي أدخرها لأجمل لحظات اليوم قبيل النوم! أقرأها ليس ككتب سياسية! ولا حتى كعمل روائي، وإنما ككتب نميمة.
هيكل ينتمي إلى نفس اللون من الأدب الذي تميز فيه سومرست موم. أعني أن يجعل الشخصية قريبة منك كأنك تراها وتعرف كل شيء عنها. تدريجيا يتحول الكتاب السياسي إلى نوع من النميمة المحببة: أنت تدخل بيت السادات وعبد الناصر وتيتو وديجول وأينشتين، وكل الشخصيات التاريخية التي تحاور معها.
عشاق أدب سومرست موم يفهمونني جيدا. إن رواياته تبدأ دائما وهو يتناول طعام العشاء في فندق ما، ثم تبدأ الحكاية. هيكل نفس الشيء. دائما هناك عشاء ما في فندق إنجليزي! من المؤسف أنني لم أصارحه في حياته كم هو رجل رائع.
للعلم: رأيي الشخصي أن هيكل يمتلك موهبة تضارع موهبة نجيب محفوظ في الرواية. ولقد كسبناه كاتبا سياسيا فذا، وخسرناه روائيا من الطراز الأول.
....................
وإذا سألتني عن المصداقية فلست غرا يا صديقي ولا ابن الأمس. أنا أعرف جيدا أن هيكل ذئب عريق يعرف آداب الطعام ويرتدي بزة السهرة وهو ينهش ضحيته، لكنه يتقن ضخ المستندات التي لا يماري أحد في صحتها، وربما لا يمتلكها أحد آخر، ويجعل هذه الوثائق تثبت وجهة نظرة.
كقاعدة: هيكل متهم عندي طالما يكتب عن عبد الناصر، ذلك أنه كان شريك حكم وزميل تجربة. ولا يمكن أن يكون محايدا مهما تظاهر بذلك، حتى لو أخبرنا أنه هو الذي كتب خطاب الاستقالة الشهير بعد هزيمة ٦٧، كتبه بذكاء ذئب أنيق يعرف كيف يتلاعب بالكلمات ويسمي الهزيمة نكسة!
...........
وكقاعدة: أعرف أيضا أنه غير محايد مع السادات، مهما زعم –تجملا- أن مجده العظيم يكمن في شجاعة اتخاذ الحرب (وهو نفس التعبير الذي استخدمته بالمناسبة في مقالي عن حرب أكتوبر). هيكل مرض لذيذ معدٍ.
بالمناسبة: هيكل يصك التعبير ثم يردد الناس بعدها التعبير حتى يصبح شائعا. هل تعرفون أن كلمة "التوريث" في التعبير عن دور جمال مبارك هو الذي صكّها.
...........
إنني أصدق تماما أن هيكل ليس صنيعة عبد الناصر. بل على العكس. أعتقد أن هيكل كان له دور كبير في صياغة عقل عبد الناصر. وعبد الناصر ذكرها صراحة: حين اعترض بعض الكتاب على انفراد هيكل بالمعلومات، أبدى عبد الناصر دهشته، وقال إن العكس هو الصحيح: هيكل هو الذي يخبره بالمعلومات!
هيكل ليس صنيعة أي نظام أبدا. هيكل مشروع نفسه.  والويل كل الويل لمن يهاجمه. ومن تقاليد هذا اللورد الإنجليزي أنه كان لا يرد أبدا على من يهاجمه، ليس إيمانا بحرية الرأي طبعا، وإنما ترفعا منه وكبرياء. هيكل ليس ندا لهؤلاء الصغار كي يرد عليهم أصلا.
هيكل لا ينازل الصحفيين. على الأقل إلا من هم فى قامة وقيمة الكاتب الكبير مصطفى أمين.
من طرائفه أيضا أنه –مهما اشتدت الخصومة (مع الكبار طبعا)- لا يخرج أبدا أسوأ وثائقه. سوف يطرح بعضها، لكن الثقيل منها، لا يخرجه أبدا. فقط يعلم الطرف المقصود أنها لديه ليكف عداوته.
لا شك أنه عند موت هيكل خرجت تنهدات راحة كثيرة، ولا شك أيضا أن القلق قد نهش بعضهم: أين ذهبت هذه الوثائق بالضبط؟ وهل يمكن أن تصل إلى يد غير حكيمة؟ هذا سؤال لن نعرف إجابته أبدا.

'* * نقلاً عن جريدة المصري اليوم

Download Free Game
الصفحه نيوز