طارق حسن يكتب: لماذا نخشى التحركات الاجتماعية؟

طارق حسن يكتب: لماذا نخشى التحركات الاجتماعية؟

طارق حسن يكتب: لماذا نخشى التحركات الاجتماعية؟
Download Free Games

''

لماذا نخشى التحركات الاجتماعية؟

 

وكيف لا يكون التحرك الاجتماعى ثورة أو اضطراباً؟

بمعنى آخر: متى يكون التحرك الاجتماعى محموداً؟ ومتى يكون اضطراباً أو ثورة؟

التحرك الاجتماعى ليس غريباً على مصر، خاصة فى تكوينها الحديث. لا نحتاج للاستغراق فى تفاصيل كثيرة ومتنوعة تشمل مراحل متعاقبة من تاريخ مصر الحديث، بما فيها المرحلة الحالية بالطبع. إنما يمكن تأسيس قاعدة لفهم المسألة، خلاصتها الموجزة أنه كلما وجد التحرك الاجتماعى إطارا سياسيا مناسبا لتنظيمه ظل محمودا. أما إذا افتقد مثل هذا الإطار السياسى، فإنه يكون سبيلا لاضطرابات وفوضى؟

الأعوام منذ ٢٠٠٦ حتى ٢٠١٠ وصولا إلى ٢٥ يناير ٢٠١١ تمثل نموذجا واضحا لهذه الحقيقة. فى رأينا المتواضع الذى لا يلزم أحدا بالضرورة أن السنوات القليلة السابقة على ٢٥ يناير كانت تنبئ بتطورات مهمة، لو قُدر لها أن تكتمل بالإطار السياسى المناسب لها لما كنّا وصلنا إلى لحظة ٢٥ يناير. ربما كنّا وضعنا مصر على عتبة تغير «سياسى- اجتماعى» أكثر تطورا وأمتن استقرارا. الطابع العام للسنوات القليلة قبل يناير أبرز تحركات اجتماعية غاية فى الرقى والنضوج. شملت التحركات فئات اجتماعية عديدة ومتنوعة. قطاعات عمالية. موظفين. مهنيين وغيرها كثير. اتخذت من أساليب الإضراب والاعتصام وسيلة للتعبير السلمى عن مطالبها الاجتماعية. لم تلجأ عموم الفئات الاجتماعية المختلفة إلى أعمال الاحتجاج المدمر أو الفوضوى. إنما اعتمدت على أسلوب الاحتجاج المنظم الذى يدخل مع الإدارة الحكومية أو غيرها فى عمليات تفاوض كانت نتائجها مرضية للمحتج والمحتج عليه. لكن عدم مسارعة الإدارة الحاكمة آنذاك بتوفير الإطار السياسى والمنظم لعمليات التفاوض الجماعى بين فئات المجتمع وبين المجتمع والإدارة التنفيذية كان سببا رئيسيا فى تحول التحركات الاجتماعية، وعلى هامشها الآخر السياسية إلى انفجار اجتماعى واسع فى يناير ٢٠١١، ومن ثم شاعت أجواء الاضطراب والفوضى. منذ ٣٠ يونيو ٢٠١٣ حتى ٣١ ديسمبر ٢٠١٥ تسجل «قاعدة البيانات العالمية للأحداث واللغة واللهجة» المعروفة باسم (GDELT) حدوث ٥٤٦٧٧ مظاهرة احتجاجية فى مصر. تمثل مجمل الاحتجاجات التى تم ذكرها فى وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والمسموعة والإلكترونية فى مائة لغة بكل بلد تقريبا حول العالم. والمعنى الواضح من ذلك أن التحركات الاجتماعية فى مصر لم تنقطع، وربما لن تنقطع. وأن المشكلة الرئيسية ليست فى حدوثها لأى سبب كان. ففى كل الأحوال يظل للتحرك الاجتماعى اعتباره الواجب. إنما تبقى المشكلة فى عدم توفير الإطار السياسى المنظم، وعدم اعتماد أساليب التفاوض الجماعى العام الذى يوفر نقطة الاتزان فى المجتمع.

لا هى أول مرة يتم فيها تعويم الجنيه. ولا هى آخر زيادة فى الأسعار. كما أنها ليست الشدة أو المِحنة المصرية الأولى. لكنها التبعات التى تسرى على فئات قادرة وأخرى غير قادرة. التفاوض الجماعى بين الفئات الاجتماعية المختلفة وليس التعبئة الوطنية هو الطريق الأجدى لتحمل هذا النوع من التبعات دون خوف أو قلق من اضطراب. التعبئة الوطنية الجارية الآن. تحمل فى باطنها بواعث الانقسام والاضطراب، إذ كيف لشخوص إعلامية وسياسية وكبار موظفين. أغلبهم من الأقلية القادرة. يقولون للأغلبية غير القادرة: تحملوا، وإذا ما علا صوت غير قادر بالشكوى زجروه وأهانوه، وبعضهم يخرجه من ملة الوطن؟

لك أن تقول مادام مطلوبا منك تحمل تبعات القرارات الاقتصادية الأخيرة: هذا فى قدرتى، وهذا ما لا أطيقه. لغيرك أن يقول مثلك. لكما أن تجلسا سويا وتوزعا أو تقتسما الأعباء المشتركة. إنما كيف تقول هذا أنت وغيرك. ونحن من حيث الفكر صنف واحد يعتقد أنه صنفان. واحد يريد تحرير الاقتصاد وتأميم السياسة والمجتمع، وآخر يريد تحرير السياسة وتأميم الاقتصاد والمجتمع؟

كيف تقول هذا أنت وغيرك والمنظمات والهيئات والجمعيات والمؤسسات التى تعبر عنك غائبة عنك وعن دورها.. أين النقابات التى تضم حشودا أغلبها من الفئات الوسطى؟.. أين اتحادات ومنظمات العمال؟.. أين اتحاد وجمعيات الفلاحين؟.. أين اتحاد المستهلكين قبل أن نقول أين اتحادات التجار والصناع والمستوردين وأصحاب الأموال والأعمال؟.. أين البرلمان؟.. أين كل هؤلاء؟.. وأين الجمعيات العمومية؟.. وأين اجتماعاتها الخاصة والأخرى الموسعة بين كافة ممثلى الفئات الاجتماعية المختلفة؟.. وأين الاتفاق الجماعى على تقاسم الأعباء وتحمل التبعات؟

أمعقول أن يغيب كل هذا، بينما نبقى أسرى أو صرعى أقلية قادرة تلعب بأساليب التعبئة الوطنية وتحارب بالخصومة السياسية أقلية الأقلية من أصحاب الثورات الوهمية؟

هذا والله خطر.

 

Download Free Game
الصفحه نيوز