طارق حسن يكتب: فى فنون تجديد ما لا يُجدَّد أو يصلح لتجديد

Download Free Games

''

أكثر ما يستحق التجديد هذه المرحلة هو تجديد الدولة المصرية. تجديد الخطاب الدينى وحده لا يضمن إصلاحاً أو تطوراً

 

تجديد الدولة هو الإصلاح والتطور بذاته. تجديد الدولة يعنى إصلاح وتطوير نظم إدارة السياسة والمجتمع، فينصلح حال البلد والمجتمع.

ثم ما هو تجديد الخطاب الدينى بالضبط؟

تريده «وسطياً»، ينزع الإرهاب والتطرف من جذوره الأصلية. قد يبدو لغيرك مجرد أداة قابلة للتوظيف السياسى، وكى لا يبدو على هذا النحو، أو يعتبره البعض طرفا فى منازلة ولأجل منازلة. دعونا نتفق أولا على أن كل ما نعتبره مشكلة فى الخطاب الدينى إنما هو فى الأصل مشكلة فى الثقافة، وحلها بإصلاح وتطوير الثقافة.

أى خطاب دينى هو فى الأصل فهم وتأويل بشرى لنص دينى ابن زمانه ومكانه. له قواعده وضوابطه. نعم بكل تأكيد، كما لكل علم قواعد وضوابط. إنما كل فهم وتأويل بشرى مهما كان، ليس سوى ثقافة وابن ثقافة، وإلا كيف يختلف العصر عن العصر إلا بالثقافة. وكيف تختلف الأمة عن الأمة إلا بالثقافة، وكيف يتقدم بلد على بلد إلا بالثقافة؟

تموت الدول بموت الثقافة. وتزدهر بازدهار الثقافة ويصح أن يسرى القول كما المثل. قل لى ما هى: ما هى ثقافتك؟ أقل لك: ما هى دولتك. لكن أرجوك لا تسألنى: ما هى صنعة وزارة الثقافة، أو ماذا يفعل وزير الثقافة بشأن إصلاح وتطوير الثقافة؟

لا تجديد بلا ثقافة. تجديد الثقافة يبدأ بتجديد الدولة. بإصلاح وتطوير نظم إدارة السياسة والمجتمع.

وتعال إلى مشكلتنا المزمنة. صدق أن القانون المنظم للتظاهر يماثل نظيره فى بريطانيا أو أمريكا. صدق أن قانون الجمعيات الأهلية كذلك، وصدق أن القوانين المنظمة للإعلام تحاكى أو تماثل نظيرتها فى فرنسا أو غيرها من بلدان الغرب المتقدم.

صدق كما شئت، فمهما صدقت، فلن تحل المشكلة ما لم تضع يدك على أصل المشكلة فتحل المشكلة.

طوال العقود الماضية ونحن نستورد القوانين والأشكال كما نستورد الأكل والشرب. إنما بقيناً بلا تجديد وبلا إصلاح

وبلا تطوير للبلد. القوانين، التى تحاكى أو تماثل قوانين فرنسا وأمريكا وبريطانيا وبقية الدول المتقدمة- لم تجعلنا ولا مرة

من الدول المتقدمة ولا فى عدادها رغم طول الشوق وتواصل عمليات أو عمليات المحاكاة ولن نقول التجمل.

اسأل قبل أن أسألك: لماذا نتيجتنا غير نتيجتهم؟ وكيف تكون قوانيننا كقوانينهم سواء بسواء، وحالهم يفوق حالنا بمراحل ومنذ مراحل؟

لا تقل لى أرجوك: إنهم سبقونا ونحاول اللحاق بهم وإنه مجرد فرق بالأقدمية.

دعنى أقل لك بصراحة: القوانين فى فرنسا وأمريكا وبريطانيا وبقية الدول المتقدمة تدير نظما سياسية- اجتماعية تعددية بثقافة وقيم التعددية الحرة. أما نحن فتحكمنا نظم وأساليب الإدارة بالبيروقراطية وثقافة وقيم البيروقراطية المتحكمة، التى تقلب كل قانون أو نظام حديث إلى أداة من أدوات سلطة البيروقراطية.

القوانين والنظم مثل السمك لا تحيا إلا فى المياه الطبيعية. للقوانين والنظم بيئة طبيعية. إن أخذتها دون بيئة نظم وقيم وثقافة التعددية الحرة ماتت على عتبة سلطة البيروقراطية.

الأغرب فى بلدنا أنك إن تركت الحكومة جانبا وأخذت صف معارضيها وجدت نفسك فى صف بيروقراطية تعارض بيروقراطية من أجل هيمنة بيروقراطية على بيروقراطية.

تسمع هذه الأيام عن قانون للإعلام تختلف بشأنه نقابة الصحفيين مع البرلمان والحكومة، وإن ما تقوله النقابة يضمن

حرية واستقلال الصحافة والصحفيين. تسمع أيضا عن إقرار نقابة جديدة للإعلاميين وأن هيئتها المؤسسة لديها تحفظات تتعلق بحرية واستقلال الإعلاميين. إنما كيف يكون هناك استقلال وحرية والتنظيم النقابى واحد؟

الصحفيون كما الإعلاميين شريحة من الشعب. فئات اجتماعية متباينة. ميول متعددة. مصالح مختلفة. منهم الملاك ومنهم العاملون. التعدد النقابى أصل الحرية والاستقلال. بينما التنظيم النقابى الواحد من أدوات السلطة المتحكمة.

التنظيم الواحد لا يضمن لك حرية ولا يرجى منه إصلاح أو تطور. على الأغلب ربما يوفر لك نفوذا أو وظيفة أو درجة فى سلم البيروقراطية بضمان الإعالة المالية، مع استمرار الدولة فى تكرار مر الشكوى وأنها لم تعد قادرة على الوفاء بتكاليف الأعباء الاجتماعية.

تجديد الدولة المصرية لم يعد ترفاً. ضع فى اعتبارك دائما أن نظم الإدارة بالبيروقراطية وهيمنة التنظيم الواحد سياسيا كان أو نقابيا أو اجتماعيا تدفع ثمنه، حاليا، دول ومجتمعات بالجملة من حولنا فوضى وإبادة وتشريداً. أخذنا نصيبنا منه ست سنوات عجاف فى كل شىء، وعند كل ناصية. ألا يكفينا؟ ما بالنا نعيد تجريب ما جربناه بنتائجه التى لم تأت بتطور أو إصلاح؟

تجديد الدولة المصرية الآن يعنى إنقاذها وانتشالها مما يجرى حولها، ومما لحق بها. ولو ظللنا نقول إننا نحاكى أو نماثل تشريعات الدول والمجتمعات المتقدمة دون أن نأخذ بنظم وقيم وثقافة التعددية الحرة فى إدارة شؤون السياسة والمجتمع- لن نكون سوى ما كنا أول مرة، وما نحن عليه. الآن نجدد فيما لا يجدد، ونصلح فيما لا يصلح، ونطور فيما لا يتطور، وإن كنّا قد أتقنا شيئاً أو برعنا فى شىء، فلن يكون سوى براعتنا فى فنون تجديد ما لا يجدد ولا يصلح لتجديد أو تقدم. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

Download Free Game
الصفحه نيوز