طارق حسن يكتب: قنبلة السيسي العنقودية في محفل الرياض

Download Free Games

''

من أراد أن يعرف ماذا يعنى أن تكون مصر، فليقرأ أو يسمع خطاب الرئيس السيسى خلال قمة زعماء العرب والمسلمين في محفل الرياض مع ترامب. ومن أراد أن يعرف مكانة وقدر مصر، وما قيمة أن تستثمر مصر في سلام قادته وزرعته في المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضى، فلينظر أو يشاهد كيف جاء رئيس مصر في محفل الرياض، أحد أضلاع مثلث مصرى- أمريكى- سعودى وبالطبع خليجى، لا تستقيم علاقة أمريكية- عربية دونه، كما لا يستقيم أو يقام سلام عربى مع أمريكا دونه أيضا.أنت قد تحسب محفل الرياض سلاما سعوديا أو خليجيا- أمريكيا فقط، لكنه سلام مصرى- أمريكى بالقدر نفسه. وإن صح لك أن تقول إن السلام السعودى أو الخليجى مع أمريكا هو المتمم للسلام المصرى- الأمريكى، لقلت لك إن السلام العربى- الأمريكى الذي انطلق من محفل الرياض هو حاصل جمع السلامين المصرى والخليجى مع أمريكا، وان كل من شارك في محفل الرياض يتفق مع أمريكا بدرجات مختلفة. وان الكل في العالم قاطبة، ولا تستثنى أحدا، يبحث عن السلام مع أمريكا بأشكال مختلفة، بل ويتعامل مع أمريكا بدرجات مختلفة، على حد قول القائد المصرى الراحلالمشير أبوغزالة في مقدمته الرائعة لكتاب الرئيس الأمريكى السابق نيكسون، الذي ترجمه، رحمه الله، للعربية وصدر بعنوان «نصر بلا حرب».

خلال لقائهما الثنائى بمحفل الرياض قال ترامب للسيسى: «الأمان عال للغاية في مصر على ما يبدو

فرد عليه السيسى بقوله: «أنا بطمنك يا فخامة الرئيس على مصر. مصر قادرة ومؤمنة ومستقرة جدًا بحكم التعاون بيننا وبين إدارتكم».

وأضاف: نتطلع لمزيد من التعاون من أجل استقرار هذه المنطقة المهمة.

رد السيسى بهذا المنطوق يكشف جانبا مهما من ملامح تعاقدات السلام المصرى- الأمريكى المبرم مع إدارة ترامب. ربما كان من المهم تكراره على مسامع الرئيس الأمريكى، وأنه يقوم على مبدأين، أولهما يختص بمصر ذاتها، ويضمن عدم التدخل في إرادتها وسيادتها الوطنية واستقرارها وأمانها، وثانيهما التعاون المشترك لتحقيق السلام في المنطقة العربية. وفِى المقدمة إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل حسبما أفصح رئيس مصر في خطابه الرسمى بمحفل الرياض.

مصر أصل السلام في المنطقة العربية، وهى من أوضحت بجلاء، على لسان زعيمها الراحل أنور السادات، أن المشكلة بيد أمريكا والحل بيد أمريكا أيضا. قال رحمه الله إن ٩٩٪‏ من أوراق الحل بيد أمريكا، وهو ما يعنى أن ٩٩٪‏ من أوراق المشكلة بيدها أيضا. ولولا السلام المصرى- الأمريكى ما كان السلام المصرى- الإسرائيلى. وصحيح جدا أن إسرائيل هي الولاية الأمريكية المتقدمة في المنطقة العربية، وأن مهمة كل رئيس أمريكى، ومنهم ترامب، ضمان أمنها وتفوقها على كل الشرق الأوسط والعرب مجتمعين إلا أن القاعدة السياسية الذهبية، التي اكتشفتها وبادرت بها مصر مازالت سارية المفعول وبغيرها ضاع الآخرون، ومفادها أن السلام مع أمريكا يحول التأييد الأمريكى لإسرائيل من مطلق إلى نسبى بقدر ما، ومن ١٠٠٪‏ تأييداً لإسرائيل إلى ٧٠٪‏ أو ٨٠٪‏، وأنه بفضل هذه المساحة النسبية يتم تحقيق قدر من المصلحة المصرية والعربية.

لا تعتب على السعودية. أبدا لا تغضب إن دفعت الغالى والنفيس في سبيل حماية نفسها، أو تحقيق ما تراه مصلحتها أو ما هو مناسب لها. لم نقبل من قبل عتابا ولا غضبا من أحد عندما اختارت مصر طريق السلام مع إسرائيل، ومازلنا لا نقبل مناقشة من أحد في أي مسألة تخص المصلحة المصرية. احترم إرادة غيرك مادمت تطلب احترام إرادتك. له ما له ولَك ما لك.

ركز معى في المفيد.. خطاب السيسى في محفل الرياض له ما بعده في دفع روح التماسك الوطنى وتراجع مراكز ومحاور توزيع الإرهاب والنزاعات الطائفية والعرقية والمذهبية داخل المنطقة العربية، وله ما بعده خارجها، ولا يجد نظيرا له في المهارة والمبادأة والتأثير السياسى إلا خطاب السادات بالكنيست الإسرائيلى في اعتماده على منهج المبادرة والهجوم السياسى بالسلام على الخصم. ومثلما كان خطاب السادات في الكنيست بمثابة زلزال داخل إسرائيل وحدث عالمى يؤرخ له ولما قبله، وبعده جاء خطاب السيسى كقنبلة عنقودية في محفل الرياض، الذي هو بذاته حدث عالمى يؤرخ له ولما قبله وبعده، لعلك تابعت جيدا أنه تم منع رئيس مسيحى عربى من المشاركة في محفل الرياض، وقالت أمريكا إنها تلتقى فقط بزعماء المسلمين السنة وليس العرب، وفِى المقابل حرص الإعلام العربى، ومنه المصرى، على تسمية محفل الرياض بالقمة الأمريكية- العربية- الإسلامية. فماذا قال السيسى بل كيف ألقى قنبلته العنقودية؟

استهل خطابة بالقول: اسمحوا لى في البداية أن أنقل إليكم تحية من مصر.. بمسلميها وأقباطها.. وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين.. وأرضها التي كانت ملتقى للإسلام والمسيحية واليهودية.. وإسهاماتها البارزة في تاريخ الإنسانية والعلم.

إن شئت ترجمة سياسية لقول من هذا النوع في مثل هذا التوقيت ومثل هذا المحفل لقلت لك ما يلى:

- إنه يشير أولاً إلى أن الأوطان العربية تشمل مكونات دينية متعددة، وأن المسيحيين المصريين والعرب جزء من النسيج الوطنى المصرى والعربى، وأنه ليس مقبولا أبدا تقسيم الأوطان على أسس طائفية وعمليات الإقصاء والتفجير والتهجير القائمة بحق المسيحيين العرب بفعل الإرهاب وصراعات العرق والمذهب والطائفة الجارية في المنطقة العربية الآن.

- يتصل بذلك أيضا أن المنطقة عانت من قبل ومازالت من أخطاء اقتلاع وتهجير اليهود العرب إلى إسرائيل وبلدان أوروبا وأمريكا وليس مقبولا تكرار الخطأ نفسه في حالة المسيحيين العرب من أهل المنطقة.

إشارة من هذا النوع تتجاوز حدودها إسماع المشاركين في محفل الرياض إلى إسماع شعوب المنطقة والعالم، وتستهدف تدعيم عمليات التماسك الوطنى داخل المجتمعات العربية.

- الإشارة إلى اليهود لا تقتصر على القول التقليدى من نوع أن الموقف من إسرائيل لا يتعلق بالديانة اليهودية بل بالاحتلال والاغتصاب والاستيطان الإسرائيلى لفلسطين وبقية الأراضى العربية. إنما تمتد إلى مخاطبة اليهود أنفسهم في إسرائيل والعالم، وتستهدف إثارة وجدان السلام لدى المواطنين الإسرائيليين وفِى القلب منهم اليهود العرب والشرقيون داخل إسرائيل.

قديما سأل صقور المؤسسة الصهيونية الإسرائيلية زعيمهم الراحل بيجين: لماذا وافقت السادات على السلام. أعطيته أرضا وأعطانا ورقة؟ أجابهم: منذ سمع الإسرائيليون بأنه قادم إلينا بالسلام وهم يدقون على طاولتى بإلحاح «السلام الآن. السلام الآن». من يومها عرفنا كيف يجبر الرأى العام الإسرائيلى حاكمه بالسلام حتى لو كان زعيما بحجم بيجين. فما بالك أن الذي يحكم إسرائيل الآن ليس بزعيم مثل نتنياهو، وليس بقدر بيجين على أي نحو كان؟

- إن خطاب السلام المصرى، الذي قدمة السيسى، إنما يمثل انعكاسا لنموذج حضارى- إنسانى تختلط فيه مكونات الأديان السماوية الثلاثة بجميع عناصرها: الاجتماعية والدينية والعرقية والمذهبية، وأنه بذاته الأكثر قدرة على صنع السلام داخل المنطقة والعالم، وأن دونه من النماذج دخل في أزمة وتسبب في أزمات وانهيارات وفوضى واضطراب، وإرهاب غطى المنطقة وفاض في العالم من أول النموذج الإسرائيلى، الذي يقدم في داخله نموذجا طائفيا عنصريا تستعلى فيه أقلية يهودية غربية على أغلبية يهودية شرقية ويقدم في خارجه احتلالا استيطانيا وتقسيمات طائفية وعرقية تفرز اضطرابا واحترابا وإرهابا داخل أرجاء المنطقة، مرورا بالنموذج الإيرانى الذي يسعى لفرض هيمنة أقلية المسلمين على أغلبيتهم، ويفرز بالمقابل تقسيمات مذهبية وإرهابا مذهبيا مضادا، وكذا النموذج التركى الذي يطابق النموذجين الإسرائيلى والإيرانى في النتائج أو قل المهالك، تكون قد أحسنت التعبير.

خطاب السيسى أو قنبلته العنقودية ضربت مراكز ومحاور عدة داخل المنطقة وخارجها، بما فيها مراكز الصرافة والتموين العربية للإرهاب والاحتلال ونزاعات الطائفة والعرق والمذهب، وله ما بعده في استنهاض مراكز التماسك الوطنى في عموم المنطقة ولذا ستقوم عليه حرب.

انتبه: لقد بدأت.

 

Download Free Game
الصفحه نيوز