خديجة كمال تكتب: مقهى ماريا في سطات.. تجربة ثقافية ترفيهية فريدة

Download Free Games

'

''

رب صدفة خير من ألف ميعاد، لم أكن أظن أن الخروج بعد الإفطار في يوم من أيام رمضان للتمتع بنسمة هواء عذب بمدينة سطات، وللهروب من حرارة مفرطة تجتاح المنازل طيلة اليوم، كان كفيلاً بأن يقودني لاكتشفاف مقهى، يمكن أن أصفه بفضاء ثقافي، يشدك من أول وهلة. نعم إنه مقهى «ماريا» بمدينة سطات المغربية. عند الدخول إلى المقهى والتجول بين زواياه، يأخذك المكان من الحاضر إلى الماضي (الزمن الجميل)، تشاهد صور كبار الأدباء والمثقفين العرب، الذين يسحبونك مباشرة إلى كتبهم ودواوينهم فتسترجع صفحات أعمالهم وعناوينها المخزنة في الذاكرة، بل أكثر من ذلك، عاد بي الزمن إلى سنوات مضت، وأنا أجلس في مقهى (الجريون) بمدينة القاهرة، فالفضاءان هنا لهما قاسم مشترك، جو ثقافي ينضح بالعلم والمعرفة، هنا المكان أيضاً يشدك بغرابة متناهية، ويختلف عن باقي المقاهي المليئة بالضوضاء والصخب، ولا شيء غير ثرثرة الناس وحديثهم اليومي المعتاد، ولا شيء غير الضجيج ودخان السجائر الذي يخنق المكان. 

في ركن زاوية أخرى من مقهى ماريا تجد صور عمالقة الممثلين العرب، على رأسهم محمود المليجي ونظرته الحادة التي تشعرك بالرهبة والتي كانت تخيف حتى يوسف شاهين، فريد شوقي عدوه التقليدي بابتسامة عريضة، وباقي أساطير السينما والمسرح بدون استثناء، أما الزاوية التي اخترت الجلوس بها، فزينت جدرانها بصور كبار المطربين العرب، وصوت سيدة الأجيال وصوت الخلود كوكب الشرق يستولي على المكان، ويدخلك كالعادة في بحر من رقي الكلمات، ونهر عذب من النغمات. جلست وأنا أجول بنظري سعيدة بهذا الفضاء الراقي والمريح، مستغربة في نفس الوقت من التعتيم الإعلامي، حيث لم يحتفَ بمثل هذا المكان، ليفاجئني السيد بوطالب، صاحب المقهى، بالكشف عن مكتبة بالطابق العلوي، لأصعد مسرعة وأكتشف أن هناك مكتبة تضم أعمالاً رائعة في مختلف المجالات.

وعندما توجهت بالشكر إلى صاحب هذا الفضاء الثقافي، رد بعبارات الترحيب والمودة، وهذا ليس بغريب على سكان هذه المدينة الصغيرة التي يُعرَف أهلها بمكارم الأخلاق. لكم أتمنى أن تنتشر مثل هذه الفضاءات الثقافية في أرجاء المملكة المغربية، خصوصاً بعد العزوف الملموس عن القراءة، وبعد انشغال الشباب بالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، نحن لسنا بحاجة إلى الملاهي والأسواق الكبرى والمطاعم وأفخم المحلات ذات الماركات العالمية بقدر ما نحن بحاجة إلى مثل هذه الفضاءات الثقافية التي تذكّرنا بموروثنا الغني في جميع المجالات، وتحيي صلة الرحم بين الأجيال وتكون همزة وصل بين أفراد النخبة الذين لا شك أنهم يحيون ويأخذون مشعل رواد الفنون السبعة. لهذا أناشد جميع وسائل الإعلام أن تسلط الضوء على مقهى «ماريا» وأن يحتفوا بمثل هذه المبادرة، التي أراها هادفة وتخدم المجال الثقافي بكفاءة وفعالية، وبمثابة قوة محركة للنهوض بالقراءة؛ ولتكون ملتقى للأندية الثقافية التي تخدم المغرب كبلد وسطات كمدينة .

'

Download Free Game
الصفحه نيوز