إلهامي المليجي يكتب: الملك محمد السادس يتجه جنوباً

Download Free Games

'

''

أتابع الشأن العربي منذ عقدين ونيف من الزمان، لكن تجربتي الأولى مع الشأن المغربي بدأت في العام 2011 إبان الاستفتاء على الدستور الجديد الذي تضمن بعضا من مطالب الحراك الشعبي وقتذاك، وبذلك نجت المغرب منتسونامي ما سمي بالربيع العربي، بفضل حنكة وحكمة الملك محمد السادس، والتي تجلت  فى غيرها من المواقف الصعبة التي مرت بها المغرب، وكان آخرها أحداث الحسيمة.

وأول أمس تابعت باهتمام خطاب جلالة الملك لمناسبة الذكرى الرابعة والستين لانتصار ثورة الملك والشعب، ولمن لا يعرف فهي ذكرى انتصار إرادة الشعب المغربي في مواجهة تجرؤ الاستعمار الفرنسي على المس بكرامة الشعب المغربي والنيل من رمز سيادتهم السلطان محمد الخامس.

وقد حلت  الذكرى في سياق وطني ودولي خاص، حيث يواجه المغرب الكثير من التحديات، ما جعل الكثير من المراقبين يترقبون الخطاب لقراءة معانيه، ودلالاته.

ولفت الانتباه أن الخطاب ركز في مساحة واسعة على علاقة المغرب بقارته السمراء، وتناول أبرز التحديات المطروحة، خاصة بعد عودة المغرب إلى مكانه الطبيعي في الاتحاد الإفريقي ، ومعلوم أن المغرب كان أحد مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية التي تحولت في العام 2002 الى الاتحاد الافريقي، وكان المغرب قد انسحب من منظمة الوحدة الإفريقية عام 1984 بسبب قبول عضوية جبهة البوليساريو فيها.

إن تخصيص المساحة الأكبر من الخطاب للحديث عن عودة المغرب للتوجه صوب إفريقيا ، يحمل دلالات تتعلق بالأمن القومي المغربي ، وجاء الريط بين تخليد ذكرى ثورة الملك والشعب التي تمثل لحظة تاريخية للوقوف على التراكمات الإيجابية، تتضمن لحظة اعتراف، وتثمين للإيجابيات التي تحققت، ما يوضح أن الثورة لم تكن على المستوى الداخلي فقط، ولكنها أطلقت شرارة حركات التحرر في عموم إفريقيا، ما يؤكد على معنى مهم يتمثل في أن الأمن القومي المغربي كان مرتبطا بملحمة ثورة الملك والشعب، ما يعني بأن التوجه نحو إفريقيا يشكل خيارا استراتيجيا، على اعتبار أن إفريقيا على المستوى الاقتصادي تشكل نافذة مهمة وأساسية.

وإذا نظرنا إلى الدول التي حققت اختراقات تنموية مهمة لشعوبها لم تحققه سوى من خلال تكتل داخل تجمعات ومنظمات.
فالاهتمام المغربي بإفريقيا جاء من خلال دراسات وإحصائيات، تؤكد على أنها قارة واعدة، وبالتالي فإن القرار كما ذكر الملك محمد السادس: " أن توجه المغرب نحو إفريقيا لم يكن قرارا عفويا، ولم تفرضه حسابات ظرفية عابرة ، بل هو وفاء لهذا التاريخ المشترك، وإيمان صادق بوحدة المصير."

وأعتقد أن تقارب المغرب مع دول قارتها الإفريقية جاء لقطع الطريق على القوى المناوئة للوحدة الترابية للمغرب، على اعتبار أن الوحدة الترابية تمثل أمرا أساسيا فيما يتعلق بتحقيق استقرار وأمن البلاد.

ووضح من خلال الخطاب أن توجه المغرب نحو افريقيا ينطلق من إيمان صادق بوحدة المصير مع القارة السمراء، فتكللت العودة بتعزيز الشراكة مع الدول الإفريقية، وعودة المغرب إلى المؤسسات القارية الإفريقية رغم العراقيل التي حاولت وضعها جهات لا ترى مصلحتها في عودة المغرب إلى حضن قارته التي كان للمغرب الدور الأبرز في استنهاض شعوبها في مواجهة الاستعمار الذي نهب ثرواتها واستغل شعوبها.

إن توجه المغرب نحو إفريقيا ينطلق من توجهات محسوبة وليست لخدمة أجندة ظرفية بقدر ما هي استراتيجية تفرضها ضرورة المصير المشترك، وهو ما تجسده سياسة المغرب تجاه دول القارة عبر اعتماد منظور استراتيجي يقوم على التوافق وتحقيق النفع المشترك لشعوب القارة الإفريقية.

وسياسية المغرب قامت على معرفة دقيقة بواقع وتطلعات الشعوب الإفريقية، فكانت زيارات الملك محمد السادس لعديد من الدول الإفريقية تحمل مشاريع وبرامج تنموية استراتيجية مثل أنبوب الغاز الأطلسي نيجيريا - المغرب، وإقامة مشاريع لإنتاج الأسمدة والتي ستسهم في ضمان الأمن الغذائي للشعوب الإفريقية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بالإضافة إلى مشاريع مشتركة مرتبطة بالحياة اليومية للمواطن مثل المرافق الصحية ومؤسسات التكوين المهني وقرى الصيادين.

تلك المشاريع فضلا عن أهميتها للشعوب الإفريقية فإنها أسهمت في تعزيز مكانة المغرب اقتصاديا وسياسيا، فعلى الصعيد الاقتصادي، أدت تلك الاتفاقيات إلى تعزيز الشراكة بين المغرب ودول القارة على أساس رابح - رابح ، وعلى الصعيد السياسي أسهمت في العودة القوية للمغرب في الاتحاد الإفريقي والحصول على الموافقة المبدئية للانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.

بفضل تلك السياسة الحكيمة للملك محمد السادس، جاء عام 2017 عاما للوضوح والرجوع إلى مباديء ومرجعيات تسوية النزاع حول الصحراء المغربية، وأصبح مسار التسوية على الطريق الصحيح، وهذا ما تأكد من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، وقرار مجلس الأمن في أبريل الماضي فيما يخص تثمين مبادرة الحكم الذاتي كإطار للتفاوض.

تحية للشعب المغربي في ذكرى ثورته، وتقديرا واحتراما للملك محمد السادس لسياسته الحكيمة التي تبتغي مصلحة شعبه، والتي تمثلت مؤخرا في التوجه جنوبا حيث محيطه الإٍفريقي.

 

'

Download Free Game
الصفحه نيوز