إيمان إبراهيم تكتب: نهاية العالم وشيكة.. لم يعد لدينا الكثير

Download Free Games

''

 

إذا صحّت نظرية ديفيد ميد، العالم البريطاني المتخصص في معاني الأعداد فإنّ نهاية العالم ستكون بين 20 و23 سبتمبر الجاري.

سيصطدم كوكب الأرض بكوكب نيبيرو ويومها سنموت جميعاً وليس بيننا من سيصفق لميد ويقول له "برافو عليك لقد صحّت نبوءتك".

القضية ليست هنا، فعندما نموت جميعاً أصلاً لن يكون هناك قضية. القضية هي حجم الترحاب الذي حظيت به تلك النظرية التي يقول العالم البريطاني إنها قائمة على حسابات وليس على مجرّد نبوءة.

فعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفي صفحات الجرائد والصحف والمواقع الإلكترونية، يكفي أن تلقي نظرةً على حجم الترحاب بالكوكب نيبيرو الذي سيأتي ليخلّص كوكب الأرض منا، ويخلّصنا من كوكب الأرض، ليبدو لك أنّ على هذا الكوكب ليس ثمّة ما عاد يستحق الحياة.

فالمهلّلون يطلقون صيحات ابتهاج، وبعضهم يستعجل الرحيل.

ما المبهج في الرحيل الجماعي؟ ما المفرح في أن نموت ولا نجد من يدفننا ويقيم لنا العزاء؟

ربما المبهج أنك لن تبكي على أحد، ولن يبكي أحد عليك.

لن تسأل نفسك ماذا سيحلّ بالأحبّة من بعدي؟ ماذا سيحلّ بأولادي؟ ماذا ستفعل أمي؟ من سيحضر جنازتي؟ هل سأحظى بجنازة مهيبة أم أنّ أحداً لن يأتي؟ هل سيذكرونني بالخير على قاعدة اذكروا محاسن موتاكم أم سيتحدّثون عنّي بالسوء ولن أتمكّن من الدفاع عن نفسي؟ هل سيعلّقون صورتي ويبكون كلّما وقعت عيناهم عليها، أم سيتجنّبون النظر فيها كي لا تقلّب عليهم المواجع؟ هل سيختارون لي صورةً جميلة أم سيعلّقون أوّل صورة تقع أمامهم؟ هل سيذكرونني في أمسياتهم أم سيغيّرون الموضوع كلما أتى أحد على سيرتي كي لا يشعروا بغصّة فراقي؟ هل سيحتفظون بملابسي التي اشتريتها بعناية ودفعت مقابلها الكثير من المال ذكرى منّي، أم أنّهم ستبرّعون بها؟ وإذا تبرّعوا بها لمن سيتبرّعون؟ من سيرتدي ملابسي؟ ولماذا سيرتدون ملابسي التي اخترت بعضها لمناسبات سعيدة؟ فليرتدونها ما المهم أنا نفسي لم أعد موجوداً.

هل سيذكرونني بالإسم أم سيقولون المرحوم؟ رغم المعاني الجميلة التي تختزنها الكلمة يصبح تردادها قاسياً، ألهذه الدرجة لم أعد موجوداً حتى تستبدلون اسمي بوصف يطلق على كل الموتى الصالح منهم والطالح؟

في الرحيل الجماعي، لن تحمل هم موت الأحبة، لن تبكي أحداً، لن تعيش مرحلة حداد قاسية، لن تلبس الأسود، لن تضطر إلى حضور جنازة على سبيل الواجب ولا أخرى على سبيل التعاطف والمحبّة، لن تقول لأحد "البقية بحياتك" لم يعد لأحد حياة، هذا الكوكب كلّه لم يعد موجوداً.

لن يطبع أحد نعوة يذكر فيها أسماء أفراد العائلة مسبوقة بألقاب لتكريمهم فوق نعش يحمل جثمانك الذي لم يدفن بعد.

لن يقوم أصدقاؤك بطباعة آخر محادثة لك معهم على الواتساب وتعميمها على مواقع التواصل الاجتماعي، ليظهروا كميّة تأثّرهم برحيلك، ويصبحوا هم أب الفاجعة وأمها. وهم بالكاد كانوا يلقون عليك التحيّة.

لن يبدأ مديرك في العمل بالبحث عن بديل لك، "لم يبرد مكاني بعد انتظر حتى انتهاء مراسم الجنازة". أصلاً مديرك نفسه لن يعد له وجود، ولا كرسيك أيضاً.

لن يبدأ الورثة بتقاسم إرثك إن تركت خلفك إرثاً أصلاً. فالورثة أيضاً رحلوا ومعهم الإرث.

لن يقوم جيرانك بعرض خدماتهم على زوجتك الأرملة، فالكوكب نيبيرو قد يكون أصابهم وزوجتك قبلك.

لن تستمر وتيرة الحياة وكأن رحيلك أمراً عابراً في حياةٍ كنت تظنّ أنّك محورها وأنّه برحيلك ستتوقّف الكرة الأرضية عن الدوران. هذه المرّة بالفعل ستتوقّف الكرة الأرضية عن الدوران، أصلاً الكرة كلها سينسفها نيبيرو سيتحقّق العدل لمرّة واحدة وأخيرة، فهل ثمّة عدل أنّنا كلنا سوف نرحل بنفس الطريقة وبنفس اليوم؟

ومن هنا إلى أن تأتي نهاية العالم فلنحتفل بما تبقى لنا من أيام، لأنه إذا صحّت نظرية ذلك العالم لم يعد لدينا الكثير.

 

Download Free Game
الصفحه نيوز