4 جماد الاول 1439 / ٢٠ - يناير - ٢٠١٨

صالح السيد يكتب: الخطاب الحِجاجي لماجد يوسف في "جر شَكلْ"

Download Free Games

بقلم صالح السيد

 

لا شك أن الحضارة الإنسانية هي نتاج نقد أصيل مثمر لحياة الإنسان على هذه الأرض، ومن ثم لم يتسن لمجتمعات أو شعوب أن تلحق بركب التطور والرقي والرخاء؛ ما لم يتوافر بين أفرادها من يمتلك البصيرة الواعية لكشف بذور التخلف أو عوامل التراجع أو مظاهر الخلل؛ عندئذ تشكل تلك الرؤي هداية المسيرة، طاقة التجديد والإحلال، الإضافة والحذف، النهضة والتنوير، خلق روح الإرادة الواعية بقيم التقدم الإنسانية والحضارية.

يرصد الكاتب الكبير ماجد يوسف في كتابه "جر شكلْ"، وهو مجموعة متنوعة من المقالات تلك الظواهر السلبية في حياتنا الاجتماعية والسياسية، الثقافية والعلمية، الفكرية والقيمية، على نحو تشكل هذه الظواهر، متاريس عتيقة، ومعوقات راسخة في طريق تقدم المجتمع، وهو يسعى بغية الكشف عنها والتواصل مع القارئ وإقناعه والتأثير عليه إلى الاعتماد على المنهج الحِجاجي الذي يحتاج إلى صبر وتحليل وذكاء وضبط لما هو قائم ومتواتر حتى يخضع للتحديد والطرح، ويتسم هذا المنهج بتقديم الحجج والأدلة المؤدية إلى نتيجة تسهم في إنجاز تسلسلات استنتاجية داخل الخطاب، سواء منها ما يعتمد على العناصر اللغوية أو البراهين العقلية، كما يرتكز على تراتبية لهذا الحجاج وقوانين تتحكم فيه.

 "ثقافة السؤال" المقال المدخل / الرئيس:

يمثل المقال الأول "يا ناس.. اسألوا.. أو.. موتوا "المقال المدخل / الرئيس في هذا الكتاب؛ إذ أنه الروح التي تتلبس الكاتب في التنقيب والكشف عن سائر الموضوعات أو الإشكاليات التي يطرحها، كما يمثل منطق الاستثارة، أساس التحريض، جسر التواصل مع الكاتب / القارئ، ويعتمد المنهج الحِجاجي على العنصر اللغوي وصولا إلى المنطق الفكري عبر الوقائع / الأقوال، مستندا إلى قانوني النفي / القلب في السُلم الحجاجي:

"السائل في ثقافتنا هو "صاحب الحاجة" وهو الذي يسأل الناس وقال ابن بري: سألته الشيء بمعني استعطيته إياه "والفقير يسمي سائلًا.. ولا اتصور أن المسافة اللغوية بعيدة بهذا الشكل بين صاحب السؤال أو المتسائل والمتسول، فأظن أن المتسول ـ لغويًا ـ يعود إلى نفس الجذر، أي أن المتسول بمعنى الشحاذ أو صاحب الحاجة أو طالب الإحسان".  

تشير الدلالة اللغوية التي ترسبت في طبقات الوعي الاجتماعي إلى دونية فعل السؤال، بتأكيد وضعية الفاعل (السائل)، كما أنها تنحصر في احتياجات بيولوجية ضيقة، إذ أن السائل ـ كما يقول الكاتب - محروم من الأبعاد المادية (الأكلية والشربية)، وليس المقصود أنه محروم من تلك الأبعاد الروحية (القيمية )؛ كالوعي والعلم والرغبة في المعرفة والفهم..

وهنا تتبدي حدّة البين، أو قسوة المفارقة، فكيف يتسنى لهذه الثقافة أن تبيح سؤال "الاستجداء" وتقمع سؤال "المعرفة" بينما السؤال ضرورة وجود، أداة اقتلاع، منظور كشف وتبصر، ويعيد الكاتب هذا الاعتبار للسؤال عبر تحديد ماهيته / وظيفته حيث يقول "السؤال فاعلية حياة وحركة، شرف وجود، رفعة وحضور وسمو، الرغبة في المعرفة واستكناه المجهول ومساءلة الكون، معنى التجدد والانتفاض والتغيير.. السؤال معناه الاعتراض والاحتجاج والامتعاض والدم الذي يجري في العروق".    

 وينتقل الكاتب إلى الوقائع / السلوك لكي يُظهر عملية التحريف الاجتماعي أو الانقلاب الدلالي؛ "إذ يتحول المسئول ـ على سبيل المثال ـ وهو الذي يتوجه إليه السؤال وهو ـ في ثقافتنا المعاصرة ـ الوزير أو المدير مثلا ومن لف لفهما من طبقة المتنفذين والحكام، تحول هذا المسئول من ذلك الذي يتواجد في وضع المساءلة من قبل الناس وفي وضعية المحاسبة من منظور الجماهير باعتباره "مسئولا"، إلى أن أصبح معناه المعاصر: السيد المتنفذ المطلق الذي لا راد لأحكامه ولا حدود لسلطاته ولا مراجعة لقراراته".  

وهنا تتبدى المفارقة الثانية؛ إذ بينما تنحط وتٌستذل مكانة الفاعل (السائل) إلى وضعية الحاجة والعوز والامتهان، يرتقي شأن وسلطة ومنزلة المفعول (المسئول) فيصبح مصدرًا للعطاء والبر والإحسان والتكرم والعطايا.

وهكذا يتسرب هذا الوعي الزائف إلى مجمل الحياة السياسية، فيظهر هذا التأثير الفادح فتصطبغ ثقافتنا بثقافة الإجماع والاستفتاء والحاكم المطلق والزعيم المنقذ.

كما يتحول القمع إلى تربة مالحة تمنع استنبات بذور السؤال في مرحلتها البكر "الطفولة":  

"هم حالة لاعجة ومفرحة ومدهشة من سؤال مستمر: من أين جئت يا ماما؟ وكيف؟ أين الله يا بابا؟ أين تذهب الشمس في الليل؟ ومن أين تأتي في الصباح؟ ما معنى كذا؟ لماذا كذا؟ إلخ! وتظل هذه الدهشة الفطرية الإنسانية الفاعلة المتسائلة.. حية ومستمرة، حتى يدخل الطفل إلى معامل القهر والقولبة والنمذجة في مدارس الحفظ والصم والتسميع والتلقين ويصادر "سؤاله"، بل ويتم الربط بين السؤال و"العيب" وربما "الحرام" ويتم استخدام الدين بطريقة انتهازية لوأد السؤال".  

 

فقه النفاق الاجتماعي:

يشتغل عنوان المقال "فقه النفاق بين الضب والجربوع" على إدانة صريحة عبر تلك المقابلة بين "النفاق" و"الضب والجربوع" وفي الوقت نفسه، فهو يستتر بمغزى حول أسباب الارتباط أو شروط المقابلة.

يستمر الكاتب في منهجه السالف الذكر، فيتتبع الأصل اللغوي أو الدلالي في تساؤل تحريضي أو استثارة عقلية ونفسية عبر عملية كشف وتبصر، "هل يجوز لنا أن نتساءل عن كنه العلاقة بين "النفاق" باعتباره "إماتة للقلب" للجوهر الإنساني الشريف، وبين "النفوق" بمعنى الموت "للبهائم خصوصًا"، فيقال نفق الفرس والدابة والبغل والحمار.. وهل ثمة علاقة بين "النفاق" و"النفق".. باعتبار أن المنافق يدخل طيلة حياته سردابًا طويلًا مظلمًا من محو الذات وإهانتها وتدميرها إنسانيًا وبطريقة شائنة! ثم هل أخيرًا ثمة علاقة بين "النفقة" و"النافقاء"، وهما اسمان مترادفان لجحر الضب واليربوع كما تقول معاجم اللغة".  

وهو يتحرك على مسارين في تحليل الظاهرة فردي وجماعي، وهو يري أن الاسباب التي تعلل بها دارسو الشخصية المصرية في تحليلهم التاريخي لهذه الظاهرة، حيث تعرض الشعب المصري للاستعمار من عقود طويلة من الهكسوس وحتى الإنجليز، ما قد رسب في وجدان الناس العميق هذه المثلبة الخلقية البشعة لمواجهة تجبر السلطان بالمدارة وعسف السلطة بالمراءاة، يكشف عن تبرير فاضح حيث ثمة شعوب كثيرة تعرضت للاستعمار ولم تترسخ فيها تلك الآفة اللعينة، ولكنه يركز دائمًا على الجانب الفردي في الظاهرة، فهو ينسل إلى عقل ووجدان المنافق في تعرية تامة لنوازعه لا تضع عذرًا ولا تحتمل تبريرًا، فالنفاق حتى وإن ظهر عن قناعة داخلية من المنافِق للمنافَق، فهو تسليم أولي منه ـ المنافق - أمام نفسه بأنه أدنى درجة وأقل مرتبة من هذا الذي ينافقه، وفي هذا ما فيه من اتضاع النفس وانحطاط القيمة، أما إذا كان المنافق يمارسه شكليًا وظاهريًا فقط ويبطن غير ذلك من كره لمن ينافقه وازدراء له، فهي حالة "وعي مستبطن" من المنافق بحقارة هذا السلوك وإصرار مبيت أيضًا على إتيانه واللج فيه برغم هذا الوعي.. وهي حالة مستعصية وغالبة، تعاقرها وتعاشرها قطاعات لا بأس بها من الناس.. ثم ينتقل في تحليل ظاهرة النفاق الوظيفي، في تروٍ وذكاء عبر أمثلة واقعية من خبرة الكاتب الوظيفية.

 

انحسار السلوك الجمالي:  

ينفتح مقال "تأملات وردية" على تقديم صورتيْن متقابلتيْن دالتيْن على حضور الورود والزهور في حياة الشعوب الأوروبية والأسوية، في مقابل مكانتها ورتبتها في حياة الشعب المصري، ففي الصورة الأولى يرصد الكاتب هذا الحضور الباذخ والقيمة الشاملة والمعنى الكلي لهذه الورود التي تملأ حياتهم: البيوت والشرفات والبلكونات والشوارع والميادين، بل في الملابس والمنسوجات والستائر والانتريهات والأثاث والجواهر والحلي والتحف.. بينما تبدو الصورة الثانية في المجتمع المصري بائسة وتبعث على الحسرة؛ إذ يهيمن الوجود الرمزي المحدود "الاستخدامي" "الاستعمالي" لتلك الزهورفي المناسبات الخاصة: زيارة مريض، عيد ميلاد، حفل زفاف، تهنئة بالترقية في الوظيفة، مبادرة تحية لغرام وليد..

ويستطرد الكاتب في تحليله البصير لتأثير هذا الحضور / الغياب في السلوك الإنساني؛ إذ بينما تتصف هذه الشعوب بالرقة وهدوء الأعصاب في تعاملاتها وعلاقاتها، وبالصوت الخفيض في أحاديثها.. نجد العكس تماما في حياتنا؛ حيث الغلظة والحدة والتجهم في علاقاتنا وتعاملاتنا اليومية، فهل يصح أن تكون تلك المظاهر هي إجابة شافية لتأثير هذا الغياب؟! هذا في منطق القراءة.. 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة(NEWS 

 

Download Free Game
الصفحه نيوز