"طيف فرس" مصطفى الرزاز.. يرمح في "بيكاسو"

Download Free Games

 

حاوره مصطفى عرام

 

"معرض فني لأعمال ولوحات دكتور مصطفى الرزاز في قاعة بيكاسو بالزمالك.. في الفترة من 21 فبراير إلى 10 مارس بعنوان طيف الفرس"، كان هذا مضمون الخبر الذي كنت أنوي كتابته عنه وعن معرضه، لكن للقدر تصاريف وحسابات أخرى، فاتني حضور افتتاح المعرض لظروف طارئة، فأرجأت الأمر إلى حين زيارة المعرض، ثم بالفعل زرته بصحبة دكتورة سحر خليل تلميذته المغرمة بفنه وتاريخه، وكذلك صديقي عادل حافظ الكاتب والصحفي المميز، ثم صعدنا درجات معدودة إلى قاعة "بيكاسو" الفنية في حي الزمالك، تجولنا في المعرض لنشاهد الأعمال النحتية واللوحات المعروضة مختلفة الأحجام، لن أتحدث عن اللوحات وتفاصيلها؛ لأن لها قصة يحكيها بنفسه د. مصطفى في السطور التالية، أما الأعمال النحتية، فهي موزعة في القاعة بعناية ليراها الحضور بزوايا محددة وفي الخلف منها مساحات خالية من الحائط بيضاء اللون، تتيح لك صديقي أن تشاهدها مجسمة مع انعكاس الضوء، فتدرك مواطن جمالها ودقة التجسيد الذي أبدعه هذا الفنان هادئ الروح والمظهر. التقطتُ بعض الصور للأعمال المعروضة، ثم توجهت إلى دكتور مصطفى الرزاز لأساله سؤالا أو اثنين، فأضيف بعضًا من كلماته لمضمون الخبر.

ولكن.. ما أن سألته السؤال الأول، حتى وجدتني أستسلم لكلماته المتتابعة بهدوء، كجدول ماء يناسب برقة، تستعذب مشاهدته وسماع خرير الماء فيه فيأسرك.

قُلْ عنه "فيلسوف، متصوف"، لك أن تطلق عليه ما تشاء من صفات مرادفة، فهو إنسان له فلسفة اتبعها من سنواته الأولى في رحاب عالم الفنون والألوان، كذلك لديه فلسفة خاصة في الرسم، يلخصها في كلمات ثلاث، "التجديد الدائم وبالتدريج"، وفقًا للسجيّة ولفطرة النفس الطبيعية، لأن التغيير الطفرة.. غير طبيعى وليس منطقيا.. سألته:

# أريد أن أسمع منك عن فكرة هذا المعرض...

فقال: أنا أرسم الخيل منذ خمسين عاما، وكانت رياضتي التي أمارسها وأنا أرسم، هي أن أجد أن الأشكال تتجدد أمامى، بمعنى، ألا أكرر شكلا مرة أخرى، فأشعر حينها أني مازلت قادرًا على الإبداع؛ لأنه متى اكتشف الفنان أو المبدع أنه يكرر نفسه، يدرك حينها أنه لا جديد لديه، وبالتالي رسم الخيل لدي هو فن يتجدد كل فترة. 

فى العامين الماضيين، ظللت طوالهما مشغولا بإعداد كتاب عن الفن الإسلامي، وهو كتاب مُجهد جدًا، بذلت فيه مجهودًا غير عادي، وبالكتاب فصل من الفصول عن صورة الخيل عند العرب، بمعنى كيف كان العرب يصورون الخيل، فدرست الأمر من جوانب مختلفة، ثم ذهبت إلى "دار الكتب والوثائق القومية"، وكان رئيس مجلس الإدارة وقتها الأستاذ حلمي النمنم، وزير الثقافة الحالي، وهو صديق عزيز، فأخبرته أني أرغب في الاطلاع على مخطوطات محددة في قسم المخطوطات لها علاقة بالخيل، وحقيقة.. هو سهّل لي الأمر، وأيضًا القائمون على قسم المخطوطات ناس ممتازون جدا، فوجدت أن الفرصة متاحة لي للاطلاع، حتى وجدت من بين المخطوطات كتابا اسمه "فرس نامه"، وكلمة "نامه" في الفارسية تعني "سيرة"، أي أن اسمه "سيرة الفرس"، فمثلا يوجد كتاب اسمه "رسول نامه" أي سيرة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام، وكتاب آخر اسمه "أدب نامه"، يتحدث عن سير الأدباء.

هذا الكتاب "فرس نامه"، كان يتحدث عن سيرة الخيل، أدهشني فعلا؛ لأنه كتب من أجل "السلطان محمد بن قلاوون"، أحد سلاطين المماليك في مصر، ومن كتب الكتاب كان مدير "اسطبلات القصر"، كان اسمه "بيطار" وبيطار تعني بيطري أو متخصص في الخيل، فهو من كتب الكتاب ورسمه، ووضع فيه علمًا دقيقا، وفيه توجد 112 رسمة للحصان، كل رسمة مختلفة عن الأخرى، وكل حصان في هذه الرسوم له شكل وله صفات، وتحت كل رسمة كتب صفاته وما يميزه، وموضع الشرف الخاص لهذا الحصان، وما يعطيه صفة الفروسية والندرة، فأثر فيّ تأثيرا كبيرا.

هذا الكتاب مكتوب بالفارسية، فلم أستطع قراءة النص، لكنه كان مكتوبا بالعربية، ثم أخذه الفرس وترجموه للإيرانية، وهي النسخة الموجودة التي اطلعت عليها، ولا نعرف شيئا عن النسخة العربية الأصلية، ولا نستطيع أن نقول إنه علمنا ويُرد لنا بطريقة أو اخرى، لأنه حتى لم يكن هناك "علم" بالمعنى المفهوم به الآن، لكن الحضارة الإسلامية كانت حضارة منفتحة لكل من يستطيع الإسهام فيها، سواء الفُرس أو الأندلسيون أو غيرهم، كله كان علمنا، وهذا الانفتاح السبب فى ارتقاء الحضارة الإسلامية، لأنها جمعت عبقريات من جميع أنحاء العالم الإسلامي، ورغم أن هذا الكتاب كان مكتوبا بالفارسية، استطعت أن أفهم كلاما كثيرًا منه؛ لأنه يحوي كلامًا كثيرًا باللغة العربية عن الخيل، ومنها أسماء الخيل كاملة، مثل الأدهم والكميت، فاستطعت أن أفهم الكثير من الكلمات، ومن شدة انبهارى بهذا الكتاب، استطعت أن أرسم بعض المشاهد منه وتسجيلها أو تصويرها.

وبالتزامن مع البحث في هذا الكتاب، كنت أعدّ لهذا المعرض، فوجدت أن رسوم الخيل في أعمالي الجديدة شكلها مختلف، بمعنى أنها تاثرت بهذا الكتاب، لماذا، لأنني في أثناء دراستي للخيل في كتاب "فرس نامه"، كنت أدرس عن المتصوفة، ورأيهم في علم الجمال، والفن، فكان يوجد تحليق كبير فى خيال المتصوفة، فكنت أدرس صور ورسومات الخيل، وما أنجزه من رسومات، وأنا متأثر جدًا في الوقت نفسه بأفكار وتجليات المتصوفة، فاجتمعت وتعانقت هذه الأمور في ذهني، حتى وجدت أن الخيل الذي أرسمه ليس خيلا ماديا معتادًا وإنما شيء أثيري، موجود وغير موجود، كأن الضوء خارج من داخلها، أو أنها تشع نورا، وليس الضوء هو ما ينعكس عليها، مثلما يحدث حقيقة في كثير من الرسومات، فشعرت أن هناك شيئا روحانيا معينا ظهر في رسوم الخيل، ولاحظت بتلقائية ـ من دون قصد منّي ـ أن الناس المحيطين بالخيل كأنهم في حالة دهشة من هذا المخلوق العجيب، لسان حالهم يقول "ماذا يفعل هذا الحصان"، حتى إني في رسومات الخيل في لوحاتي، شعرت أن بعضها كأنه تحول إلى شرائح متطايرة، كأنك أمسكت به ونفضته في الهواء ليتحول إلى هذا التكوين أو الشكل الذي رسمته، أو تشعر أن الخيل نفسه ينفض عن نفسه الواقع الخاص به، وهذه اللوحات أعجبتني شخصيًا، فأطلقت عليها "طيف الفرس"، وأطلقت على المعرض أيضا اسم "طيف الفرس".

يواصل د. مصطفى الرزاز حديثه: لي صديق خطاط، اسمه عصام السيد، تحدثت إليه وطلبت منه أن يكتب لي كلمة "طيف الفرس" بخط "النستعليق" وهو المعروف باسم "الخط الفارسي"، ذلك الخط الذي ابتكره الفرس، فكتب كلمة طيف الفرس التي شاهدتها ـ يقصد التي شاهدها كل من زار المعرض ـ هنا في المعرض وعلى الـ"بوستر"، فظللت أتابع كل ما أنجزته من لوحات وأعمال مع كلمة "طيف الفرس" حتى أقمت هذا المعرض.