4 جماد الاول 1439 / ٢٠ - يناير - ٢٠١٨

بــرلمــان أنا ما حدش يتوقعني

Download Free Games

مقولة "أنا ما حدش يتوقعني"، جاءت على لسان أحد أبطال العرض المسرحي "مسرح مصر"، عندما فاجأ أحد أبطال العرض أصدقاءه بأفعال وحركات غير متوقعة ومربكة، هذا الموقف تذكرته وأنا أشاهد العرض الأكبر على الساحة هذه الأيام وهو "برلمان مصر"، وما صاحبه من ضجة كبيرة منذ أول عرض، أقصد أول جلسة للمجلس الأحد الماضي 

فقبل بدء انعقاد البرلمان، كان الركود والرتابة يسودان الأوساط السياسية فى مصر، وبالتالى انعكست هذه الحالة على وسائل الإعلام، حيث لم يكن هناك جديد أو مثير يمكن أن يجذب الانتباه ويشد الجمهور إليه، سوى أحداث يومية عادية، وفى المقابل كان هناك ترقب وانتظار كبير لانعقاد مجلس النواب، سواء فى وسائل الإعلام أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت مبكرا روح الدعابة والسخرية من جلسات البرلمان المتوقعة، وما سوف تشهده من مشاكسات ومواقف طريفة ومفارقات، جعلت الجميع متحفزًا ومنتظرًا انعقاد المجلس. 
 
وقد كان.. فمع أول جلسة، كانت جميع العيون مسلطة وبتركيز وبتحفز على هذه الجلسة، وبدأت منذ الساعت الأولى لانعقادها تتسرب إلى وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي بعض الصور لنواب نائمين وآخرين يلوحون للكاميرا، وكذلك البعض يتحرك داخل المجلس وهو يتحدث بالموبايل وبصورة مكررة، بالإضافة إلى بعض الفوضى في أثناء عملية التصويت، وقبلها في أثناء أداء القسم، وما شابه من اعتراضات، فوفرت هذه المشاهد وجبة دسمة لجميع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، هي بالفعل كانت تترقبها وتنتظرها لتحرك الماء الراكد فى حياتنا السياسية والإعلامية، لتظهر مانشيتات الصحف واصفة البرلمان بالفوضوي والعبثي، وتبارت برامج (التوك شو ) في الاتجاه نفسه. 
 
وفي وقت قياسي؛ تم تصدير صورة ذهنية للداخل والخارج؛ أنه أصبح عندنا برلمان سيئ السمعة، غير منضبط، بل كارثي. 
ولكن.. إذا تريثنا، ونظرنا نظرة فاحصة ومحللة؛ سنجد أنه عندنا معطيات كثيرة، لا تؤدي إلى النتيجة الشائعة حاليا عن هذا البرلمان "كارثى" مثلما أطلق عليه، فمثلا؛ لأول مرة هناك نسبة 73 % من أعضاء البرلمان ذوو مؤهلات عليا، وهناك 28 نائبًا حاصلا على درجة الدكتوراه، و10 حاصلون على الماجستير، وهو أمر لم يكن متحققا من قبل في أي من البرلمانات السابقة، حيث كان المجلس منقسما بالنصف بين العمال والفلاحين والفئات، كما نستطيع أن نجزم بأن هذا البرلمان الأكثر من حيث عدد النواب الشباب، فعدد النواب الذين يقعون بين الفئة العمرية من 25 إلى 45 عامًا هو 176 نائباً، أيضا يتميز هذا البرلمان بظاهرة أخرى لافتة، وهي التعددية الحزبية، فـ 45% من أعضاء البرلمان ينتمون إلى 16حزبًا، وهو ما لم يكن متحققا أيضا من قبل، هذا بعض من كل، يدفعنا لنصف هذا البرلمان بانه الأفضل والمميز، فلغة الإحصائيات والأرقام لا تكذب. 
 
أما على ارض الواقع؛ فكانت هناك إيجابيات كثيرة لمن يتأمل، منها أن اختيار رئيس البرلمان ورغم أنه كان هناك توافق عليه، فإنه لم يكن باكتساح، بل إنه حصل على ما يقرب من 65 % من عدد أصوات النواب، وهى النسبة الأعلى مقارنة بالوكلاء، وكان اختيار الوكيلين فيه توازن كبير وتعقل، فأحدهما هو السيد محمود الشريف سليل عائلة برلمانية عتيدة من الصعيد، وهو نقيب الأشراف، وهذا اللقب له ما له من تقدير واحترام، والوكيل الثاني جاء مفاجأة وعلى غير ما كان يريد تحالف دعم الدولة، الذي ذكر أن تحالفه يتكون من 370 نائبا، فإذا بمرشحهم يخسر أمام مرشح حزب الوفد، وهو ما يعني أن هناك تيارًا معارضًا قويًا ومنافسًا داخل البرلمان. 
 
هذا عن الانتخابات داخل البرلمان، أما عن وقائع الجلسات، فكان هناك أكثر من حادثة لافتة تؤكد أنه لن يكون برلمانا منبطحًا أو مستأنسًا، ومنها أن أول قرار اتخذه رئيس البرلمان فور اعتلائه منصة الرئاسة؛ هو تأجيل انتخابات الوكيلين لليوم التالي، وقوبلت برفض واعتراض شديدين من قبل النواب، جعلته يتراجع ويجري الانتخابات في الجلسة نفسها، وثاني هذه الأحداث كان في ثاني أيام البرلمان، عندما أعلن رئيس البرلمان نفسه عن تشكيل 6 لجان سوف تقوم بمراجعة القرارات بقوانين التي صدرت في غياب المجلس، فإذا به يواجه ثورة عارمة وغضبًا منطقيا، مؤداه من الذي شكل هذه اللجان، واختار أسماء دون الأخرى، وامتد الاعتراض حتى لمن تم اختيارهم في هذه اللجان، وهو ما جعل الدكتور على عبد العال رئيس المجلس يتراجع مجددا عن قراره، ويرفع الجلسة، ليعود ويعلن عن قرار المجلس بوقف البث المباشر للجلسات، هذا ما شاهدته فى يومين، وهو ما يشير إلى أن هناك مجلس نواب سيخالف جميع التوقعات، وسيمثل رقمًا صعبًا فى معادلة السلطة والحكم فى مصر، شعاره فى المرحلة المقبلة "أنا محدش يتوقعني".

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة  (NEWS

Download Free Game
الصفحه نيوز