فاضل يوسف يكتب: الخلوة فى السودان.. التسابق إلى ذروة المجد والكمال

Download Free Games

 

بقلم فاضل يوسف

 

مع انبعاث أول خيوط الفجر نورٌ آخر هنا يُشعل فى الخلوة، نور ينير تلك القلوب القضة اليافعة، فيشكل ويرسم خطوطها ويُعدها لمسيرة الحياة الطويلة الشاقة، مع انسياب أضواء الفجر، تنتطلق تلك الأصوات التى ما زالت تلفها هدآت النسيم، تتعالى أصوات الحفظة بالتلاوة وذكر الله، فتخترق معالم المكان، لتغمر النفس أمنًا وسكينة.

 

التلاوة الصباحية، وعادةً ما يكون لحفظ لوح الأمس، وتبدأ قبل طلوع الفجر ، حيث ينخرط الحفظة فى التلاوة الفردية، ومراجعة الحفظ.

 

وقت أذان الفجر والصلاة يتحول الجسد الناحل إلى بؤرة من الانتباه والتركيز، تدق فيه ملكات الحس والإدراك، فتصل إلى أرفع مستوياتها، فتشكل منظومة يعتبر شيخ الخلوة مركزها، تعرف عملية التلقين بالرمية، كل حسب لوحه والجزء الذى يقوم بحفظه وتدل على إتقان وتمرس ودراية لكلمات الله وآياته، ثم تتحرك تلك الأنامل لخط الكلمات القرآنية بأدوات بسيطة جادت بها البيئة المحيطة كقلم الخوص المصنوع من القصب، والدواية والحبر المصنع داخل الخلوة من خليط الصمغ العربي بالفحم النباتى.

 

 

تتسارع الخطى لجمع الألواح، يضعونها فوق بعضها، يجمعون فيها حصيلة جهدهم فى يوم طويل بين الدراسة والحفظ، تمتد الرمية من الصباح الباكر وحتى الظهيرة، حيث يأخذ الحفظة قسطًا من الراحة يتناولون خلالها وجبة الإفطار، تتزاحم المناكب وتلتقى الأيدى على تلك الأوانى الكبيرة "الأقداح" ومفردها قدح وهى الأوانى التى يقدم فيها الطعام فى الخلوة، الأوانى الممتلئة بالعصيدة الممزوجة بما يعرف بملاح الويكة وهو اللحم المقدد، يتحلق حولها الحفظة فى انسجام من دون كلفة بحميمية وتواضع لا تخطئه العين، كل شيء على مائدة الطعام يتم ببساطة تشربتها تلك الأنفس من عبق القرآن وسماحة وسمو تعاليمه.

 

بعد يوم من المدارسة والحفظ والتلقين، تخلد تلك الأنفس لشيء من الراحة والأُنس فى بعض الأحيان واللعب واللهو فى أحيانٍ كثيرة، لتملأ الفراغات الطفولية فى مساحة النفس التي تحجب وتتوارى بعض الشىء مع مجاهدة النفس للحفظ والدروس، إذًا جد وحفظ ودرس ولعب ولهو وصحبة طيبة.. نتاجها أنفس كبار عظام وهمم تطاول عزائمها الثريا.

 

امتدت الظلال وانبسطت وبدأ وهج الشمس وهجيرها فى الخفوت وانقضى يومى هنا فى الخلوة ورحل رحيلًا لا تكاد تلحظ سرعته، فجميع الأوقات هنا يجللها عبق القرآن وريحانه وتنتظمها العبادات، تتجاذب تلك المنظومة المتصلة، انقضاض وانفضاض لحلقات الحفظ والدروس.

 

مع حلول المساء وعقب العشاء، تبدأ رحلة جديدة من المدارسة وهى حفظ لوح اليوم، فتتشابك الأيدى وتتحاذى المناكب والأقدام ويشكل الحفظة دائرة متماسكة، تهيج حركةً ونشاط يرتلون لوح اليوم المنصرم، مع التفافة تلك الدائرة وعنفوان حركتها وجلبة أصوات الحفظة وتجاوبها بالتلاوة، تلحظ ذلك التوازن العجيب بين كمال النفس والبدن بين توقد الأذهان والقرائح وهى تعيد استذكار الآيات والهمة والحيوية المبثوثة فى الأجساد، وهي تسارع الخطى، كأنها تتسابق إلى ذروة المجد والكمال، تعرف هذه التلاوة بالسُبْع وهى فترة مذاكرة وتسميع تمتد من بعد صلاة العشاء إلى الساعة العاشرة مساءً.

 

ما بين انبلاج الأصباح وغروب الشموس تنقضى الأوقات هنا فى الخلوة بين حفظ ومدارسة القرءان الكريم، فيمتلئ المكان بعبق الذكر، تلف النفس طمأنينة وسكينة وسرور روحى يرتقى بها فى مدارج الكمال.

 

الخلوة في السودان هي أساس المعرفة والعلم وتنشئة الأجيال، منذ دخول الإسلام لأرض السودان عام 20 هجرية وإلى عهدنا الحاضر، فهي المدرسة الأولى التي يلتحق بها طلاب العلم والمعرفة، يتعلّمون فيها القراءة والكتابة، ويحفظون القرآن الكريم، ثم يكون تعلّمهم العلوم الأخرى بعد حفظهم لكتاب الله الكريم.

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة(NEWS 

Download Free Game
الصفحه نيوز