مصطفى عرام يكتب: من فضلك .. "سيبنى أعيش"

Download Free Games

 

 

بقلــم مــصطفى عــرام

 

 

منذ طفولتى .. وطوال سنوات دراستى بمراحلها المختلفة، اعتدت الاهتمام بـ"حصة الرسم"، كنت أجدنى منجذبا لها بشكل تلقائى، أحسب لها عدد الحصص السابقة، وعدد الحصص التالية، ويا لها من متعة لو كانت الفسحة تعقب حصتىّ الرسم الاثنتين، لأنى سأظل أواصل الرسم فى كراستى حتى أنهى ما أرسمه، أيا كانت الفكرة وأيا كان المدرس، فقط عليه أن يطلعنا على فكرة الموضوع أو العنوان، وحتما سأبهره من منطلق ثقتى فى حبى للرسم وإجادتى له قياسًا بزملائى.

 

كنت أمنح حصتىّ الرسم اهتماما بالغًا، حتى إن الجميع كان يلاحظ هذا، وأحيانا كان هذا الأمر يستفز والدى باعتبار أنى أهمل مذاكرتى فى مقابل اهتمامى بالرسم، وفى المقابل، كنت أحظى بتشجيع غير عادى من أمى، فأذهب إليها متلهفا وأقول:

 

"ماما.. أنا عاوز أرسم الشجرة دى أرسمها إزاى"...

 

"ماما.. هو الحصان بيترسم إزاى"...

 

وهكذا.. لأجدها تتجاوب معى وتجلس بجوارى.. وتحاول أن ترسم معى، وننجح معا فى رسم كل صورة استعصت علىّ فى البداية.. ثم تقول لى:

 

"تعرف بقى ترسمها لوحدك...".

 

فأجيبها بكل ثقة:

 

"آه.. هاعرف ارسمها...".

 

وهكذا.. طوال سنوات دراستى حتى فى الكلية، لم أتوقف عن الرسم، بكل أنواعه وفنونه حتى حصلت على شهادات تقدير على مستوى الجامعة، كانت مهاراتى وخبرتى فيه زادت مع المرحلة الثانوية، ولى أعمال محفوظة فى الكلية وفى مدرستى الثانوية حتى الآن رغم تخرجى منذ أكثر من عشر سنوات.

 

فعندما صادفت أستاذ "ملاك" فى المرحلة الثانوية، لم يكن أستاذا عاديا، بل كان الهدوء سمته الرئيسية، كلماته قليلة، مظهره ضخم وفخم، يوحى لك بأنه أقرب إلى رُتبة فى الشرطة كعميد أو عقيد مثلا من كونه مدرسا للرسم، خصوصا مع شاربه العريض، واعتزازه بنفسه، لكن ما أن يتحدث، فإنه يفصح عن كائن آخر.. يجذبك إليه لاإراديا، وتنتظر منه أن يتوجه إليك بالحديث بأى كلمة، أو أن يُشيد بعملك، فهى بمثابة شهادة بأنك رسام موهوب.

 

شجعنى كثيرا وحمّسنى أكثر لدراسة مادة "هندسة وعمارة" لتؤهلنى للالتحاق بكلية تربية فنية أو فنون جميلة من دون اختبار قدرات، كان يحدثنى وكله ثقة أنى سأنجح وسأواصل المشوار، لكن تعارض الأمر مع رغبة والدى الذى رغب فى أن ألتحق بكلية علمية، ومع ذلك كنت أرى أن رغبة والدى بمثابة تكليف يجب أن أنجح فيه وأنجزه، وهوايتى وحبى للرسم مستمرة معى، لن تتوقف.

 

كان أكثر ما يؤلمنى هو تقطيع والدى لكل كراسة رسم أملؤها برسوماتى فى نهاية العام، ربما فى بعض الأحيان له مبرره، مثل أنى أهملت مذاكرة إحدى المواد أو لم أحقق فيها درجة جيدة.

 

ولكن..

 

ما السر فى هذا التعلق بالرسم.. لا أعلم.. لكن ربما بدأت أفهم هذا مع مرور السنوات، ببساطة وباختصار.. بعد كل موضوع أو فكرة كنت أرسمها وأنتهى منها، أجدنى مستعدا لفعل أى شىء، سواء كان مذاكرة مادة أو الانتهاء من واجب أو تكليف دراسى، أو إطاعة والدى فى أى طلب، كنت أجدنى متحمسا لأجرى مسافات طويلة من دون تعب أو كلل، يعترينى إحساس أننى أنجزت شيئا مهما، ربما لا يعجب الجميع وربما لا يعجب الكثيرين، لكن يكفى أن يعجب مدرس الرسم ووالدتى وأحيانا أبى الذى كان يتنازل فى بعض الأوقات؛ ليعلمنى كيفية تنفيذ بعض الرسومات ببساطة، وكانت أكثر أوقات ممارسة هواية الرسم سعادة.

 

حتى وأنا أكتب هذه الكلمات الآن وأتذكر تلك المواقف، أجدنى أتنفس بأريحية، كما لو أننى حصلت على جلسة أوكسجين...

 

لكن.. لماذا أتذكر هذه المواقف الآن، تذكرتها وأنا أتابع ورشة تصوير على نغمات الموسيقى، نفذها فنان قدير من "أستونيا" أقصى الشمال الأوروبى، اسمه "تونو تالفى"، ليرسم رقصة فولكلورية لا تنتمى لثقافته هى "التنورة"، على نغمات أغنية بصوتٍ لا يعرفه بل يسمعه لأول مرة، هو صوت "محمد رشدى" عندما يغنى "عرباوى"، وبكل بساطة وحماس ورقص وانطلاق، راح تونو "تونو" يرسم لوحته، نعم.. كان يرقص وهو ينفذ لوحته التصويرية، ويضرب بألوانه ضربات قد تظنها عشوائية، لكنها ببساطة ضربات راقصة، تأتى على إيقاع الأغنية ونغماتها صعودا وهبوطا، مرونة وقوة، نعومة وعنفًا أحيانا، فماذا يريد أن يقول؟

 

سألته هذا السؤال بعد أن أنهى فقرته التى نفذها فى إطار فعاليات مؤتمر "الإبداع وحوار الثقافات"، وكانت ورشته بعنوان "التصوير والموسيقى"، فهو صور راقص التنورة بتنورته وحركته بالفعل، كأنه التقط له صورة فى لحظة محددة، بالطبع لا يمكنك أن تتبين ملامحه، لكن يمكنك أن تتأكد من حركته الدائرية فى الصورة، فهل أبدع تونو فى تصويره؟ نعم.. أبدع، هل حدث حوار ثقافات من خلال هذه الورشة؟ أكيد.. إنسان من مكان آخر فى شمال الكرة الأرضية، يرى أنه لا خلاف بين مصر وأستونيا، فقط هو بعد المسافة.. ومن ثم فإنه استطاع أن يرسم التنورة على أنغام الموسيقى التى يسمعها لأول مرة. قلت له:

 

"لقد خلقت حالة بين الحضور والمشاهدين وبينك بطريقتك فى الرسم، فقال:

 

 

ظللت طوال 13 عاما فى منظمة "انسيا" التابعة لليونسكو أتعلم كيف أحيا "أعيش" باستخدام الموسيقى، لكن الآن أنا "أريد أن أحيا ـ أعيش" وكررها بحماس..

 

ما أدركته من كلماته هو أنه لا يُلقى بالا بأى شيء يعترض هدفه، فهو كطائر يطير فاردًا جناحيه للريح.. ولن يستسلم لأى عوائق.. ويكفيه ويكفينا تلك الطاقة الإيجابية التى تنبعث منه لتبعث البهجة والتفاؤل فيمن حوله، وليصبح هذا الأمر عدوى إيجابية أو تقليدًا، أن تمتص بعضًا من الطاقة الإيجابية للآخرين ثم تصدرها لآخرين وتبثها فيهم، لتواجه أى صعوبات تواجهك وتتغلب عليها بكل ما تملك من طاقة وحتى تهون الحياة، فحتما إن تشاءمت تحطمت وهُزمت.. وربما انتهيت.

 

لا أخفيكم سرًا أن جميع مسئولى "امسيا" مصر و"انسيا" الدولية، هم مصادر متحركة للطاقة الإيجابية، لا فرق بينهم، فقط ابدأ بالاستماع إلى كلماتهم، راقب إقبالهم عليك واحتواءهم، حتما ستستسلم لطاقاتهم الإيجابية وتتفاءل.. رغم اختلاف الألسنة بمن فيهم المصريون.

 

 

رجاء أخير.. إن كانت الكلمات السابقة لا تستهويك، أو كانت طاقتك السلبية تتغلب عليك، أو ترى فيها رومانسية حالمة أو مبالغة فى الإعجاب بالفنون.. فعلى الأقل لا تقف حائلا أمام هذا الشعور، سواء كان شعور طفل.. أو ابنك أو ابنتك.. بل استغله ليتحمس لأداء فروضه الأخرى، وسواء كان شعور إنسان بالغ عاقل وراشد.. فالحياة والتفاؤل رغبة واختيار.. والموت والتشاؤم كذلك رغبة واختيار.. فإن لم تكن ترغب فى الحياة.. فعلى الأقل.. من فضلك.. اتركنى لأحيا.. بمعنى آخر:

 

"سيبنى أعيش".

 

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة    (NEWS