رحيق نصر تكتب: المرأة.. بين مطرقة الإعلام وسندان الواقع

Download Free Games

 

 بقلم رحيق نصر فرحات

 

يوم الرجل العالمى ومؤتمرات خاصة بالرجال فقط. يافطة جذابة رسمت فى مخيلتى. سؤالٌ ألح على: لماذا لا يستقطع الرجل من وقته القليل من الزمن ليقرأ ويطلع ويبحث، ثم يحضر مؤتمرات خاصة بحل مشكلاته، أو يكتب عن معاناته كرجل يواجه المجتمع المقيد لحرياته؟  

 

هل خدشت مسامعكم بعدم المنطقية والسخرية؟! أم أن هذا ضرب من الخيال أو شطحات أشبه بتلك التى تأخذ ريشة الفنان لرسمٍ صعب يؤرق كل من يحاول فك رموز لوحته التائهة بين الواقع والخيال، أريد أن أقول، لماذا لا يكون الرجل جزءًا من مشكلات المرأة بسبب رفضه فى أحيان كثيرة الاعتراف بدورها بشكلٍ منصف؟ فبدلًا عن عقد المؤتمرات والصراخ من أعلى المنابر وفض وملء المجالس لحل قضايا المرأة الشائكة كما يبدو للبعض، لم لا نرى مؤتمرات توجّه الرجل لدوره الفعال الذى يلزم وجود المرأة معه فى جميع خطواته كتفًا بكتف؟!  

 

لم لا نحاول توعية الرجل وقيادته إلى الانسلاخ والخروج من ثوب يثقل كاهل مجتمعنا، ذلك الثوب الممزق البالى الذى يُدعى العادات والتقاليد، لماذا كلمة المساواة تزعج الرجل ويدعى دائمًا أنها من تصدير الغرب، فى حين أن كثيرًا من النساء وصلن لمرحلة الوعى بمعنى الكلمة، فى ظل مجتمع محافظ تحميه موروثات عاداته الجميلة، ويحصنه دينه الحنيف، فالمساواة التى تطالب بها المرأة ليست كما يعتقد الكثير من الرجال هى دعوى للتحرر الأخلاقى والتخلص من مظاهر الحشمة واللامبالاة، وأخذ الحياة بأسلوب ساذج.  

 

لا يا سيدى.. ليست هذه المساواة التى ندعو لها، نحن نريد أن نحظى بنصيبك من التعليم وفرص العمل والثقة وفى ذلك فليتنافس المتنافسون. ليس هذا فقط، فهناك جوانب عدة تكون المرأة فيها حاضرة بشدة ومن خلال التجربة أثبتت كفاءة وبسالة فى تحمل المسئوليات، فأصبحنا اليوم نرى المرأة وزيرة.. وبرلمانية.. ورئيسة جمهورية.

 

ولكن للأسف.. هذا فى مجتمعات أدركت منذ أعوامٍ مضت أنه لا فرق بين الرجل والمرأة فى خدمة المجتمع، وأنها تشكل عنصرًا أساسيًا فى بناء نسيج مجتمعى متين يتشارك فيه الجميع لغاية الارتقاء بالمجتمعات والأوطان، رجلًا ومرأة. ولكن ما يدعو للسرور والأمل، هو بعض الجوانب المشرقة أو التغيرات الإيجابية، فهنالك اليوم شريحة واسعة من الرجال الذى هم على قدرٍ عالٍ من الثقافة والتحضر والرقى الفكرى، تفتق ذهنهم لدور المرأة، هؤلاء أعتبرهم الرعيل الأول، ولكن بداية الغيث قطرة.. والآتى أجمل، ليس على المرأة أن تكون لاغية لوجود الرجل، بل على العكس ففطرتها اللطيفة كامرأة يجب أن تقر أن الرجل هو السند وهو الملاذ الآمن الذى تلجأ إليه فى خضم مشكلاتها.. من دون الاعتماد المطلق عليه، فالاحتياج متبادل وكلٌ من الرجل والمرأة يكمل الآخر.  

 

بالعودة للبدايات، لا أرى أن هناك ما يستلزم هذه الضجة حول قضايا المرأة التى جعلها الإعلام فى كثيرٍ من الأوقات مادة دسمة يقودها نحو التعقيد، فتحت الكثير من عناوين المؤتمرات الجذابة، التى تدعو لوجود حل لمشكلة ليست موجودة فى نظرى ـ ألا وهى المرأة وقضيتها، نستغرب أن كل ما يتمخض عن تلك الندوات، هو زيادة الإيمان بوجود مشكلة ووجوب حلها ولكنا ما زالت معقدة.

 

وتستمر المشكلة وندعو لعقد مؤتمرات أخرى بعناوين مختلفة تبدو كأنها تقدم طرحًا جديدًا، ليبدأ الإعلام دورة جديدة ويبث بين المتابعين فكرة مثيرة تمتلئ بها صفحات المطبوعات من مجلات وجرائد، وتخرج وسائل الإعلام المرئية والمسموعة تمتطى ظهر قضية جديدة للمرأة، تقفز بين مشكلة لا وجود لها وحل أصبح مستحيلًا، ثم تترجل ولا تجد حلًا، ما زال البحث جاريًا والمشكلات أكثر تعقيدًا، وبين الحين والآخر، يبدو هناك حلٌ يحوم فى الأفق ولكنه بعيد.

 

وبهذه الاستراتيجية التى يريد بها الإعلام خلق مادة دسمة تكون المرأة فيها الطرح وقضاياها هى الدجاجة التى تبيض ذهبًا، بدت الآثار الملموسة لإفساد وتشويش المرأة ظاهرًا وباطنًا بفعل الإعلام الموجَّه.

 

لا شك أن وسائل الإعلام المختلفة بكل ما تمثله من هيمنة وسيطرة وانتشار، قد تركت آثارًا سيئة وبالغة الخطورة على شخصية المرأة العربية المسلمة المعاصرة!  

 

وهذه الآثار تبدو بدرجات متفاوتة كمًّا ونوعًا، إذ تختلف من مجتمع لآخر ومن امرأة لأخرى، كما أن أساليب الإعلام فى التأثير والتوجيه مختلفة ومتنوعة، إذ قد يكون قصير المدى يظهر نتاجه مباشرة. وقد يحدث التأثير فى ظل عملية تراكمية تحتاج فترة زمنية ممتدة وطويلة، ليتم التغيير الكامل فى المواقف والمعتقدات والقناعات.

 

ولذلك فقد يطول بنا المقام لو أردنا عرض كل نماذج آثار الإعلام على المرأة فى مجتمعنا، لكننا سنكتفى بذكر بعضها بشكل مقتضب.

 

 ولعله أبرزها وضوحًا وأشدها خطرًا وهو فقدان المرأة العربية المسلمة لهُويتها الإسلامية وتميز شخصيتها وسحب قدر كبير من انتمائها لدينها وتراثها، وهذا نتيجة حتمية للظاهرة المرضية المتمثلة فى التقليد والتبعية للآخر، فعندما نجد الإعلام يقف مدافعًا عن قضايا المرأة داعيًا لتحريرها، فإنه يقدم المواد الإعلامية الموجهة للمرأة المسلمة، لا نجد فى أهدافها وطبيعة مضامينها ما يتوافق مع قيم المجتمع المسلم الذى تظهر فيه وتروَّج له، بل تكرس نموذج المرأة الغربية وتظهره بصورة ترسخ فى الأذهان أنه هو النموذج القدوة.  

 

وهذا التكريس كان سببًا طبيعيًا ومباشرًا فى ضمور الفارق فى الاهتمامات والممارسات بين المرأة المسلمة المعاصرة فى بعض البلدان الإسلامية وواقع المرأة الغربية.

 

ومع أنه يُفترض أن تكون للإعلام مهمة بنائية وتربوية تهدف إلى الارتقاء بفكر المرأة نحو آفاق أشمل وأبعد، حتى يكون دوره معها حلقة مستمرة من التعليم والتربية والتثقيف.  

 

إلا أن واقع الإعلام الموجَّه للمرأة، يؤكد أنه قد مارس تهميش فكرها وتعامل معها على أنها جسد وحسب.

 

فطغيان البرامج الترفيهية التافهة وإشغال جزء من ساعات البث، وصفحات الصحف التى استغاثت من الموضوعات التى تحصر اهتمامات المرأة فى دائرة ضيقة تنطلق بالاهتمام بالشكل وتنتهى إليه، بدءًا بالموضة والأزياء، وبرامج التخسيس وعمليات التجميل. وانتهاءً بكيفية استغلال المرأة إمكاناتها الشكلية (المظهرية) للفت انتباه (الآخر).

 

وحقيقة، فإن طغيان مثل هذه المواد واحتلالها مساحة كبيرة من البث الإعلامي يعكس نظرة الإعلام للمرأة، إذ يراها وجهًا وجسدًا جميلين مع إلغاءٍ وإماتةٍ مستهدفة لروح العقل والفكر.

 

وهذا كله جعل المرأة نفسها تعيش فضاءً فكريًا وفراغًا روحيًا وخلطًا عجيبًا بين الغايات والوسائل، واختلالًا ظاهرًا وعدم توازن فى النظرة لكثير من الأمور، ففى الوقت الذى يتبلور المفهوم الإسلامى المعتدل للجمال على أنه وسيلة تأخذ منه المرأة قدرًا معينًا تُحقق به أنوثتها، يزرع الإعلام فى حس المرأة أن (الجمال المظهرى) غاية تستحق أن تبدد المرأة جهدها ووقتها ومالها بل وربما تعيش لأجله.  

 

وبهذه الهمة الدنيوية والاهتمامات السطحية التى أصبحت تشغل المرأة وتسيطر على تفكيرها أخرج الإعلام المرأة وحرمها المشاركة الفعلية التى ينادى بها.

 

فى ختام القول أريد أن أوضح رؤيتى التى قد يتفق أو يختلف معها الكثيرون، إن الإعلام الذى يظهر اهتمامه بقضايا المرأة، هو نفسه الذى يصنع لها العراقيل والمشكلات، فعندما يحاول مناصرتها لحل قضاياها التى هى من تأويله، يخطى فى التوجيه وتصبح المرأة مشتتة بين ثلاثة محاور هي: خلق المشكلة من العدم.. حلها الذى استعصى.. مناصرتها بتوجيهها الخطأ.

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة    (NEWS 

Download Free Game
الصفحه نيوز