4 جماد الاول 1439 / ٢٠ - يناير - ٢٠١٨

صالح السيد يكتب: لماذا وقعت الجريمة؟!

Download Free Games

 

 صالح السيد

 

هى امرأة جميلة، ليست لأن ملامحها فاتنة فحسب؛ وإنما لأنها قلب مفعم بالمشاعر النبيلة، وروح تتوق إلى العطاء الخالص، ورجل فصيلة دمه قائد، جيناته الإقدام والشجاعة، التضحية والبطولة توجتها انتصارات عديدة وصبغته بكبرياء عظيم، جمعهما حب عميق وزواج فريد، ويأتى السؤال السافر الساخر لماذا وقعت الجريمة؟! كيف امتدت يده فى لحظة إثم كبرى فانتزعت الروح الطاهرة من الجسد البرىء، ثم ارتدت فى لحظة كشف مريعة، فاقتصت لها منه، ومنحه سيفه الرفيق طعنته الأخيرة، فغادر العالم قاتلاً مقتولاً، آثماً بريئاً، جانياً وضحية، إنها الدراما الإنسانية الخالدة مسرحية "عطيل" للكاتب الكبير وليم شكسبير.

 

ولكن ما طبيعة الصراع الدرامى فى عالم المسرحية، يرى الدكتور رشاد رشدى أنه ينبنى على المفارقة، وهى مفارقة ليست فى اختلاف شخص عن شخص آخر أو قيمة عن قيمة أخرى ولكنها فى الاختلاف مع الاتفاق فى الجهل مع العلم فى عدم المشاركة مع المشاركة.. "عطيل " و"ديدمونة " مثلا متفقان فى أن كلا منهما يحب الآخر وهما يعلمان ذلك، ولكن داخل هذا العلم يكمن الأتفاق، ويكمن الاختلاف فديدمونة تحب عطيل بدون أيّ تحفظات وهى واثقة من حبها وفى حبه لها كل الثقة، أما عطيل فرغم حبه الكبير لديدمونة ورغم حبها الكبير له إلاّ أنه يختلف عنها فى أنه غير مكتمل الثقة فى حب ديدمونة له لأنه يعتقد أنها لا تحب منظره قدر ما تحب عقله ولعل السبب يرجع إلى نفسه أو إلى كونه من جنس آخر غير جنسها.

 

 على أننا إذا أردنا أن نضع عنواناً للمسرحية وموضوعاً تتجسد فيه فإنه (الغيرة) تلك التى أنشبت أظافرها النارية فى صدر "ياجو" لأن قائده "عطيل" فضّل عليه زميله "كاسيو" فجعل الأخير نائباً له لقد أراد  "ياجو" أن يتخلص من زميله "كاسيو" وأن يحطم قائده "عطيل" فى آن واحد، فنسج خيوط مؤامرته الأثمة: إن ثمة خيانة تتم بين "كاسيو" وزوجته "ديدمونة"، وقد نجح فى ذلك ومن ثم فإن الغيرة انتقلت إلى "عطيل" ولأنه رجل عسكرى فإن قيم الواجب والشرف هى القيم الراسخة فى عقيدته وكان لزاما عليه أن يقتص منها وكما يقول: "إن موتها حتم وإلاّ خانت رجالاً آخرين".

 

ويأتى حوار المسرحية متفرداً على نحو خاص ليس لأنه يكشف عن طبيعة الشخصيات ويطور الحدث ولكن لأنه يشف عن المقدرة الفنية العظيمة عند الكاتب الكبير وليم شكسبير.

فهو يصف - أى عطيل - المنديل الذى أهداه إياها واستخدمه "ياجو" فى مؤامرته قائلا:

  • إن فى نسيجه سحراً وما نسجتّه إلاّ عرافة شهدت دوران الشمس مائتى مرة أما الديدان التى نسجت حريره فقد كانت مرقيّة أيضاً وأما الحرير فقد صُبغ بعصير الموميات مستقطراً من قلوب العذارى.

وعندما يحتدم الصراع بين "ديدمونة" و"عطيل" ويعتقد إنها خانته مع "كاسيو" يصرخ قائلا:

  • لو أنه طاب للسماء أن تمطرنى أشد البلايا وصنوف الآلام والمعرّات وأن تغرقنى فى الفقر وأن تسومنى الأسر وخيبة الآمال لوجدتْ فى زاوية من نفسى موضعا للصبر ولكن.. يا للحيف !! لا صبر لى على أن أكون تمثالا يرمقه الزمان ويشير إليه الاحتقار بأصبع يرفعها على مهل.

 

لكن النهاية ينبغى أن تأتى سريعاً ويدخل "عطيل" المخدع على "ديدمونه" وقد أزمع أمراً وعندما رآها نائمة تردد قليلاً ولكنه كان قد عقد النية على قتلها ويحدّث نفسه أريد أن اتنشقها... يا للعرف الطيب الذى يكاد يقنع العدل بكسر سيفه وهنا تستيقظ "ديدمونة" وتوجه الخطاب إليه.

  • من هنا؟ عطيل؟
  • هل صليت الليلة يا ديدمونة؟
  • نعم يا سيدى
  • اذا كنت تتذكرين لك ذنباً فاستغفرى منه حالا
  • ويلاه يا مولاى ما معنى هذه الكلمات
  • فكرى فى خطاياك
  • لا أثم لى إلا هواك

ها هى تلقى حتفها على يد قلبها إنها تلوذ إلى هواها وتبتهل إلى قلبه وهو يلوذ إلى شكوكه وهواجسه وتتملكه رغبة الثأر فيصم أذنيه فجأة ثم يلفها فى ملاءة فراشها ويقتلها خنقاً.

 

وفى هذه اللحظة يؤتى "بكاسيو" إلى القصر مجروحا ينزف الدم من جرحه وتتكشف مؤمراة "ياجو" ويتبين "عطيل" الآن حقيقة الموقف وأن زوجته "ديدمونة" كانت طاهرة وفية له إلى آخر لحظة من حياتها وآلم ذلك قلبه فارتمى على حد سيفه وألقى بنفسه على جسد زوجته الشهيدة المظلومة وترددت مع أنفاسه الأخيرة كلماته الخالدة:

"لقد خدمت البلاد بعض الخدمات وارغب اليكم – حينما تقصون قصتى فى رسائلكم أن تذكرونى بحقيقتى لا بمزيد ولا بنقصان وألا تدخلوا فيها شيئاً من المكر السيئ، فإذا فعلتم وصفتم حال رجل لم يعشق بتعقل ولكنه خالص السريرة متجاوز الحد فى حبه، رجل دافع الغيرة عن نفسه جهده، فلما تمكنت منه تمادى فيها إلى النهاية، رجل غلب الأسى عينيه – ولم تكن من شيمتها البكاء – فذرفتا من الدموع أغزر مما تنضحه أشجار جزيرة العرب من صمغها الشافى.. هكذا أرجو أن تصفونى".

 

إن شخصية "عطيل" لم تعد مجرد شخصية مسرحية وإنما صارت نموذجاً إنسانياً محفوراً فى ذاكرة البشرية.. إنها إضافة إلى خبرة الإنسان وامتداد لتاريخه وهكذا الأدب الإنسانى الذى يجعلنا نرى الإنسان فى من خلاله مزيجاً عجيباً من المتناقضات يجمع بين الخير والشر بين خلود الإلهة وفناء البشر.

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة    (NEWS 

Download Free Game
الصفحه نيوز