7 شعبان 1439 / ٢٢ - أبريل - ٢٠١٨

د. نها شحاتة تكتب: العزف والغناء.. وجهان لعملة واحدة

Download Free Games

بقلم د. نها شحاتة

 

يقوم العازف أو المغنى بدور مهم ورئيسى فى العرض الموسيقى، فلا يمكن أن تقوم له قائمة بدونهما، فهما وسيلة المؤلف لتوصيل ما كان يدور فى ذهنه من رؤى وأفكار وانفعالات إلى الجمهور. وتتجلى مسئولية العازف أو المغنى فى أنهما الواجهة التى يرى فيها الجمهور إبداع المؤلف وقائد الأوركسترا فى آن واحد، وأى إخلال بهذه المسئولية، سيدفع ثمنه جميع أعضاء الأوركسترا أو فريق المغنين.

 

ونظرا لأهمية دور العازف أو المغنى، فقد ألف العديد من كبار العازفين أو المغنين كتب تمارين، تتعرض لمشكلات العزف أو الغناء، بل وطرحوا من الحلول والبدائل لتلك الإشكاليات، بغرض تمكين العازف أو المغنى من أن يكون أداؤه فى أحسن حالاته العزفية أو الغنائية. فهم يعلمون مسبقا من خلال خبراتهم العزفية أو الغنائية ما سوف يواجه العازف أو المغنى من مشكلات، ولذلك إذا كانت مهمة العازف أو المغنى هى أداء النص الموسيقى الذى ابتدعه المؤلف، فإنه يتحتم على المؤلف أن يراعى فى كتابته للنص الموسيقى منطق الأداء.

 

تزداد فرصة العازف أو المغنى فى إظهار جميع قدراته التعبيرية فى الأداء بتميز على خشبة المسرح حتى يعجب به الجمهور، فكلما كانت النصوص الموسيقية التى يؤديها أىٌ منهما تتسم بالعمق وتتعدد الجوانب والمعانى والإيحاءات فيها، مثل أعمال "باخ، هايدن، موتسارت، بيتهوفن، فرامز، وفاجنر، ليست".. إلخ. فأعماق تلك النصوص الموسيقية وأبعادها تبلور لنا العديد من رؤى النفس البشرية المتباينة، بل ومن جمال ألحان هذه النصوص الموسيقية، يمكن أن يتناولها مؤلف آخر من عصر مختلف، ثم يضيف إليها رؤيته الخاصة، فينتج لنا عملا فنيا جديدا ما كان لنا به عهد من قبل، أو كأننا نستمع لهذه الألحان لأول مرة.

 

تفرض موهبة العازف أو المغنى نفسها فى معظم الأحيان، لأنها فى حاجة دائمة وملحة للتدريب المنهجى المناسب، فالعزف أو الغناء بصفته فنًا وحرفة له صعوباته واحتياجه لمهارات عديدة: كأداء الجملة الموسيقية بحس واعٍ عميق، وكيفية إخراج الصوت من الآلة أو حنجرة المغنى، وقدرة تلوين هذا الصوت الصادر وتظليله بالظلال المناسب، ومرونة الجسم وما يقوم به من حركات وتعبيرات لها دلالتها بالقدر الذى يلزمه عن عدم المبالغة، حتى لا يفسد المعنى أو الفكرة والهدف الذى أراد المؤلف أن يوصله للجمهور.

 

فالعازف أو المغنى يتجلى أداؤه فى اللحظة التى يركز فيها بوعى على إحداث التأثير المقصود فى عقل الجمهور وروحه وخياله. فمن خصائص الأداء الجيد قدرة العازف أو المغنى المتجددة على إثارة اهتمام المستمع من أول لحظة يؤدى فيها النص الموسيقى، وذلك من خلال ابتكار لمحات جيدة ومتنوعة لجذب انتباه المستمع، فالجمهور يحب دائما أن يرى ويسمع الجديد والمتميز والمتنوع فى عالم الأداء الموسيقى للنص الموسيقى الواحد.

 

ومهمة العازف أو المغنى على خشبة المسرح، تحتاج إلى يقظة كاملة وحساسية فائقة، لأنها مزدوجة بطبيعتها، وذلك لتفاعلها المستمر والمتنوع بين أداء النص الموسيقى والحركة الجسدية التعبيرية ـ أو التفسيرية، وأى إخلال بهذا التفاعل من شأنه أن يؤثر بالسلب على وضوح معنى الفكرة الموسيقية وحيويتها، فالأداء والحركة عنصران متحدان يستحيل الفصل بينهما. والعازف أو المغنى القدير يستطيع بملامح وجهه وحركات جسمه أن ينتج معانى ودلالات لم يسبقه إليها أحد. وكلما كانت الحركات والإيماءات قليلة وموحية ومناسبة ـ كانت أكثر قدرة على التعبير الواضح، لأن الحركات المتداخلة من شأنها تشويش وإضعاف قدرة المستمع المشاهد على الاستيعاب والمتابعة. كما أن العازف أو المغنى القدير يستطيع أن يجسد الصمت (السكتات) فى النص الموسيقى بحركاته، حتى يضيف قدرة تعبيرية من خلال موهبته الأصيلة وخياله الخصب الذى يجعله يضع معيارا تعبيريا لأدائه طوال العرض الموسيقى.

 

يختلف العازل (أو المغنى) عن غيره فى أسلوب الأداء ونوعية الصوت الصادر منه، ولكن لا يختلف عن غيره فى كيفية التنفس الذى يسهم فى أدائه على خير وجه. ولذلك لا بد من تدريب أجهزة التنفس على توسيع التجويف الصدرى بتمارين من أجل تدفق الهواء بسلاسة ويُسر. ونظرا للتناغم الذى ينبغى أن يحدث بين عملية التنفس وحركة عضلات البطن، فإن العازف (أو المغنى) يكتسب تنفسا عميقا وقدرة أيضا على التحكم فى إحداث كل ما يرغب من ألوان صوتية مؤثرة. إن العازف أو المغنى كلما كان شديد الحرص على تطويع جميع أدواته الموسيقية وايماءاته الحركية ـ كان قادرا على إقناع الجمهور بفكرة المؤلف الموسيقى، ومن جهة أخرى يحصد إعجاب الجمهور بعدما كشف عن قدرته الفنية، وسلاسة أدائه، وتطويره المتنامى والمتصاعد للنص الموسيقى.

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة    (NEWS 

Download Free Game
الصفحه نيوز