أحمد فرج يكتب: نيران صنافير وتيران

Download Free Games

 

 

       بقلم/ أحمد فرج

 

يظهر كل فترة مصطلح لغوى بين النخبة والمثقفين والكتاب، تماما كالموضة، ويتبارى الجميع فى تناوله وترديده. أقول ذلك بمناسبة الجدل المشتعل حاليا حول تعيين الحدود المصرية ـ السعودية، ومنح السعودية جزيرتى "تيران وصنافير"، فأينما وليت وجهك إلى أى برنامج يتناول القضية تجد المؤيد لوجهة نظر الدولة يردد قولًا واحدًا "الجزيرتان ملك أصيل للسعودية"، فيرد عليه المعارض لهذه الاتفاقية ويؤكد قولًا واحدًا "الجزيرتان ملك لمصر".

 

وبينما هذا الجدل المحتدم على شاشات التليفزيون وعلى صفحات الصحف، وعلى مواقع التواصل المختلفة يقف المواطن فى حيرة من أمره، مَن على صواب، ومن على خطأ؟

 

هل حقًا هذه الجزر ملك للسعودية وكانت موجودة فى مصر على سبيل الأمانة كما يدعى مؤيدو موقف الدولة ومعهم من الأوراق والمحادثات ما يثبت ذلك، أم هى جزر مصرية خالصة منذ قديم الأزل، ومن قبل أن تظهر المملكة العربية السعودية للوجود، ومعهم من الأدلة منها أن مصر كانت لفترات زمنية تمتلك الساحل الغربى لأرض الحجاز ـ آنذاك، فمتى أصبحت الجزر سعودية، وأين ما يثبت أن السعودية طلبت من مصر تأمين الجزيرتين؟

بعيدًا عن هذا الجدل حول ملكية الجزيرتين لمصر أم السعودية، والصراع المشتعل فى الشارع المصرى حول هذا الأمر، هناك عدة ملاحظات حول هذا الأمر ظهرت مع بداية  الجدل:

أولا: الاندهاش والمفاجأة التى بدت على المسئولين المصريين فى مصر من ردة فعل الشارع المصرى واستهجانه، كأنه لم يكن متوقعًا إطلاقا هذه الانتفاضة وبركان الغضب الذى انفجر فى وجوه الجميع، وهم محقون، فلطالما تم توقيع على اتفاقيات واتخاذ العديد من القرارات المصيرية والخطيرة، والإعلام والكثير من الشعب كان يصفق ويهلل من دون إبداء أى نوع من المعارضة، ولعل منها اتفاقية إعلان مبادئ وثيقة سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، ومؤخرا اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص واليونان، من دون أن نعلم أى تفاصيل وغيرها، واحتفى الإعلام بهذه الاتفاقية كثيرًا، ومن قبل قرار حفر وإنشاء قناة السويس الجديدة وما صاحبه من صخب إعلامى وشعبى غير مسبوق، وذلك للوعود البراقة عن عائدات مالية بالمليارات، وجميعها كانت قرارات مفاجئة للمصريين، يستيقظ الجميع عليها، ولكن لم يعترض أحد، ولكن هذه المرة الأمر مختلف من عدة وجوه.

 

فقد صاحب زيارة الملك سلمان احتفاء واستقبال غير مسبوق لحاكم عربى أو أجنبى، وهو مفهوم للدعم السعودى لمصر، وجاء الملك سلمان محملًا بالوعود باتفاقيات ومساعدات مالية جديدة سوف تساعد فى إنعاش الاقتصاد المصرى المتردى، فاقتران التنازل عن الجزيرتين اللتين لم يسمع أحد من قبل أنهما تابعتان للسعودية، بالدعم المادى المالى والاتفاقيات، جعل هناك ربطًا بأن هناك شبهة بيع أو مقايضة المساعدات بالجزيرتين، وهو ما جرح كبرياء الكثيرين، بأن يتنازل بلدهم عن أراض غير مؤكد وغير معلوم من قبل ملكيتها لدولة أخرى، مقابل هذه المعونات، وهو سبب رئيس فى الغضب الحادث، مع الوضع فى الاعتبار أن الأرض بالنسبة للمصرى منذ الفراعنة شىء مقدس جدًا لا يقبل المساس به، ومصر ربما الدولة الوحيدة تاريخيا المعلومة حدودها منذ القدم.

 

وقد زادت هذه الحدود واتسعت فى حقب تاريخية مختلفة، لكنها أبدا لم تقل أو تتناقص عن حدودها المعلومة، وسبب آخر أنه سالت دماء شهداء على هذه الجزر وللدفاع عنها، وما أغلى وما أعز على قلوب ووجدان المصريين من شهدائهم الذين استشهدوا فى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى آنذاك.

 

ثانيا: لم يعلن من قبل إطلاقًا أن هناك مفاوضات وجلسات مصرية سعودية لترسيم الحدود بين البلدين، وكانت جلسات المجلس التنسيقى المصرى ـ السعودى تنعقد كل عدة شهور فى مصر والسعودية، ولكن ما كان يعلن دوما هو اتفاقيات اقتصادية وإعانات، وإمداد مصر بالبترول، لكن لم يذكر أبدا أن أهم بنود هذه الجلسات هو ترسيم الحدود، ومنح جزيرتين تحت السيادة المصرية منذ عشرات السنوات للسعودية، ويتم الإعلان بهذا الشكل ـ والجميع يتفاجأ بمن فيهم معظم أفراد الحكومة أنفسهم ـ أنه تم ترسيم حدود.

 

وتستكمل المفاجأة أن الجزيرتين ضمن هذه الاتفاقية، ولم تعلق الحكومة بأى توضيح إطلاقًا حول هذه الاتفاقية، إلا بعد أن بدأ يظهر التذمر فى الشارع، وعلى شاشات الفضائيات، فظهر بيان من الحكومة يؤكد تبعية الجزيرتين للمملكة.

 

ثالثًا: ما أثار الانتباه أيضًا أنه لأول مرة تظهر دولة وأجهزتها تدافع باستماتة أن أراضى تحت سيادتها ليست ملكها، وتحاول بشتى الطرق إثبات تبعيتها وملكيتها لدولة أخرى، رغم وجود جدل حول ملكية هذه الأراضى، وهناك من يؤكد ويدلل على أنها مصرية، فعلى مر التاريخ حتى دول الاحتلال دائما ما تتشبث بالأراضى التى احتلتها، فما بالنا بأراض هناك من يؤكد ملكيتها لمصر ويملك الكثير من الوثائق والإثباتات والمستندات، وكذلك تبرع الكثير من الخبراء فى القانون، والمحلليين، والإعلاميين بتأكيد سعودية الجزيرتين، ويؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنها سعودية، مع العلم أن معظم هؤلاء لم يكن يسمع بالأساس عن تلك الجزر أو عن ملكيتها، ولكن التطوع للتحدث باسم الدولة فقط.

 

والأدهى من ذلك.. أن يتهم كل من يقول إن هذه الاراضى مصرية بأنه عميل وخائن وغير مسئول، بينما الذى يدفع بعدم مصرية هذه الجزر هو الوطنى الشريف!

 

والخلاصة.. أن الدولة دخلت بالفعل فى ورطة حقيقية، لم يكن أى داع لها، بين غضب وتذمر بالشارع وهو حقيقى وشرعى، وبين التزامها بتوقيع اتفاقية مع دولة حليفة وداعمة لنا، مجرد التفكير فى التراجع عنها يؤدى إلى توتر شديد بين الدولتين، لذا فالحل أن تعلن المملكة العربية السعودية تجميد هذه الاتفاقية من طرفها، وتكون بذلك نزعت فتيل فتنة بين البلدين، وإن لم يحدث ذلك، فلا يوجد حل سوى اللجوء إلى الشعب صاحب الحق الأصيل فى حسم الأمر طبقًا للمادة 151 من الدستور.

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة(NEWS 

 

Download Free Game
الصفحه نيوز