إيهاب كامل يكتب: الحقيقة الغائبة

Download Free Games

         

بقلم إيهاب كامل

 

 

اللوحة الأولى

 

كل شىء فى مصر يتحول إلى وحش مخيف، كما تحولت «ميدوسا» من فتاة إغريقية جميلة إلى كائن بشع، كل شعرة من رأسها صارت ثعبان أو أفعى، وكل من ينظر إليها يتحول إلى حجر أصم، الثعابين تتجمل وتتلون حسب الجو العام، يخلعون جلودهم القديمة، وينطقون بالحكمة الكاذبة، ويلبسون الجلود الجديدة حسب ذوق آلهة الأوليمب، وفى العقود الأخيرة انتشرت الثعابين بكثرة، وخرجت من جحورها تنفث السم والخوف والضغينة، لم يعد هناك «بروسيوس» ليخافوا من ضربة سيفه، صاروا يملكون من البجاحة أن يدعوا أنهم وحدهم أصحاب الحقيقة.. يلبثون ثوب النضال، ويرفعون رايات القيم والأخلاق، ويتاجرون زورًا بحب الوطن، بعد أن تعلموا تزيين الكذب فى عبوات إعلامية جذابة، وترويجه على أنه الحقيقة المطلقة، فأصبح من السهل أن يتحدثوا باسم الشعب، وكأنهم يملكون توكيلا على بياض، يهاجمون كل من يختلف معهم، أو مع سيدهم، ويصفونهم بأنهم «قلة منحرفة» و«شرذمة» وأصحاب «ثقافة مضادة»، لكن أيها الثعابين التعريف العلمى لمصطلح «الثقافة المضادة» إيجابى حتى لو كان ضد الثقافة السائدة.. أليست المسيحية فى بداية عهدها كانت ثقافة مضادة فى نظر اليهود والرومان، وكذلك الإسلام كان ثقافة مضادة بالنسبة لكفار قريش، كما كانت ثورة يوليو ثقافة مضادة بالنسبة للباشاوات والأمراء والملك، وثورة يناير كانت ثقافة مضادة للفساد والقهر، و 30 يونيو كانت مضادة للتسلط وانكماش الوطن إلى «أهل وعشيرة»؟، لكن ماذا نقول فى ثعابين الضلال والنفاق الذين قال فيهم الأبنودى: ده الحر يعشق حب الوطن/ والعبد يعشق بوس الإيد.

 

اللوحة الثانية

 

فى رحلة البحث عن الحقيقة الغائبة تذكرت حكاية لجحا، تعبر عما نعيشه: شعر جحا بالملل واليأس من زوجته، لأنها اعتادت أن تتركه وحيدًا فى البيت بلا اهتمام، وتخرج للسهر عند جاراتها، وذات ليلة، لما عادت متأخرة كعادتها، طرقت الباب مرات.. ومرات، لكن جحا لم يفتح، نادته من خلف الباب، توسلت إليه، فلم يفتح، طرقت مرة أخرى بشدة وهى تهدده، فلم يستجب، فقالت له مهددةً: إذا لم تفتح الباب، سألقى بنفسى فى البئر، لكن جحا لم يصدقها، وظل يعبث فى لحيته ويبتسم ويسخر منها فى نفسه، أخذت الزوجة حجرًا كبيرًا وألقته فى البئر، وأسرعت بالاختباء وراء جدار، فلما سمع جحا صوت الحجر فى الماء، ظن أن زوجته ألقت بنفسها فعلًا فى البئر، فقال لنفسه:  لابد أن أخرج لأنقذ هذه المجنونة، وفتح الباب، واتجه مسرعًا نحو البئر، فهرولت زوجته من مخبأها ودخلت الدار وأغلقت الباب وراءها من الداخل، وأطلت برأسها من النافذة وأخذت تصرخ بصوت عال: يا جحا يا ظالم.. صحيح إنك رجل لا تستحى، تذهب كل ليلة للسهر عند الجيران، وتتركنى وحدى، وعندما تعود متأخرًا تقلق نومى وتأمرنى أن افتح لك الباب، إننى أشكوك إلى الله يا جحا لينتقم لى منك.. ألا تخجل من شيبتك.. ومن لحيتك البيضاء، لا بد لى أن أفضحك أمام جيرانك وأصدقائك، لقد ضقت بما تفعل، بعد أن صبرت عليك طويلا لكنك لم تخجل من نفسك، تصور أنك الذى تجلس فى البيت، وأنا التى أسهر عند الجيران.. هل يمكنك أن تتحمل ذلك؟!

 

اجتمع الجيران والأصدقاء يطيبون خاطر الزوجة، وجحا حائر مندهش، فقد قلبت زوجته المسألة.. فأصبح هو المخطئ وهى البريئة.. وأخذ الناس يلومون جحا لومًا شديدا.. لأن الحقيقة غائبة!

 

اللوحة الثالثة

 

ذهبت إلى الفلاسفة ابحث عن الحقيقة، فقالوا لى أى حقيقة تريد: عقلية كما عند ديكارت؟ أم حسية كما عند التجريبيين؟ أم حدسية كما لدى برجسون؟ أم يقينية مطلقة كما عند نيوتن؟ أم نسبية كما لدى أينشتاين؟ أم برجماتية أو فطرية أو مكتسبة أو..؟ أو..؟ قلت أنتم جميعا تستحقون مطرقة نيتشه، هل الحقيقة تائهة ومشتتة إلى هذه الدرجة؟ لقد احتار دليلى، وأترك لكم حرية اختيار الحقيقة التى يمكن أن نصدقها: هل مصر شبه دولة أم دولة؟ هل هى رائدة أم زى أخواتها فى التخلف والقهر وخلاص؟ هل «الكائنات» التى حاصرت نقابة الصحفيين.. شرفاء أم بلطجية؟ وهل كان «لقاء الأسرة» تصحيح مسار أم تفريعة لتشتيت المسار؟ هل «المخبر» الذى يكتب التقارير فى زملائه وطنى أم حقير؟ هل شلة «المطبلاتية» التى تهلل دائما لقرار أى مسئول أصحاب مبادئ أم أصحاب مصالح؟ ولماذا إذن يغيرون مواقفهم كلما تغير السيد الذى يستعبدهم برغبتهم وإلحاحهم؟

 

وأخيرًا: هل مصر سعيدة بأمثال هؤلاء الثعابين المنافقين من ميدوسا إلى زوجة جحا؟

 

سأترك الإجابة لكم وللتاريخ، لأن الحقيقة فى بلدنا لا تزال ضائعة.. تائهة.. غائبة.

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة(NEWS 

Download Free Game
الصفحه نيوز