4 جماد الاول 1439 / ٢٠ - يناير - ٢٠١٨

هانى عبد الله يكتب: أمريكا و"صناعة الإرهاب" (الحلقة السادسة)

Download Free Games

 

دراسة يكتبها: هـانى عبد الله

كاتب صحفى وباحث سياسى

 

# بالتفاصيل: "استخبارات الكونجرس" تفضح مخططات "أوباما" لتغيير "أنظمة الشرق الأوسط".. باستخدام "حروب الجيل الرابع"!

 

# إدارة "أوباما" روجت بالتعاون مع قناة "الجزيرة القطرية" 20 معلومة كاذبة عن "القذافى" ورجاله!

 

# رئيس "لجنة الاستخبارات بالكونجرس": "أوباما" وإدارته ضللوا "المجتمع الدولى" بمعلومات كاذبة.. لفرض "عقوبات" مبكرة على "نظام العقيد"!

 

# "هيلارى كلينتون" تبدى شماتتها بعد مصرع "معمر": "حسنًا.. لقد أتينا.. ورأينا أنه مات"!

 

# تقرير أمريكى فى نوفمبر 2011م: علينا دمج "الميليشيات" فى القوات الوطنية الليبية.. لدعم شركائنا الجدد!

 

# "رئيس الوزراء البريطانى" يزعم: القذافى ضرب "المتمردين" بطائرات "الهليكوبتر".. و"الأزمات الدولية" تكذبه!

 

داخل "المستنقع الليبى"، الذى بدأت تداعياته فى فبراير من العام 2011م، لم يكن "التدخل الأمريكى" المباشر ـ بالتعاون مع حلف شمال الأطلسى (الناتو) ـ هو كل الأوراق التى لجأت إليها "واشنطن"، وقتئذ.. فوفقًا لمبدأ "القيادة من الخلف" (Leading from behind) الذى اعتمدته "إدارة أوباما"، كان على "البيت الأبيض" أن يدفع بشركائه الإقليميين، إما لتمهيد الأرض داخل "طرابلس"، من حيث الابتداء، (أى قبل إطلاق عملية فجر الأوديسا)، أو لاستثمار "الحالة الليبية" فى تكريس "أعمال العنف" ضد النظام السورى، فى وقتٍ لاحق.

 

ومن ثم، كان أن انعكست توجهات "مبدأ القيادة من الخلف" تلك، على السياسات الخارجية للدويلة "القطرية"، بالتزامن مع انطلاق شرارة ما اصطلح على تسميته بـ"ثورات الربيع العربى".. إذ دأبت قناة "الجزيرة" على عرض "صور"، و"فيديوهات" دول الجوار الليبى (أى: مصر، وتونس)، وسقوط أنظمتها الحاكمة، على مدار الساعة، من أجل تأجيج سرعة تفاعل "حركة المتمردين" داخل العمق الليبى (1).. إذ لم تكن تلك التحركات "عفوية"، بأى حال من الأحوال، بل كانت "مُرتبة" بعناية شديدة، لتحقيق أهداف محددة (2)، ربما يكون أقلها: تأسيس حكومة ليبية "صديقة للولايات المتحدة"، فى مرحلة "ما بعد القذافى".

 

.. وهو الدور، نفسه، الذى لعبته ـ أيضًا ـ  وسائل "الإعلام الأمريكية" و"الغربية"، بشكلٍ متزامن.. إذ عمدت تلك الوسائل ـ خلال المرحلة نفسها ـ إلى تسويق تيارات "الإسلام السياسى" (ومنها: تيارات العنف القريبة من "القاعدة") فى ليبيا، باعتبارها "تيارًا وطنيًّا" يسعى نحو "العدالة" والاستقلال السياسى، فى مقابل "شيطنة" نظام القذافى، وتصويره "ديكتاتورًا"، لا يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم، للبقاء فى السلطة.. على غرار "التكتيكات الإعلامية" التى تم استخدامها فى التمهيد لـ"غزو العراق" بالعام 2003م (!)

 

.. وهى ممارسات إعلاميّة(3)، استندت ـ وفقًا لـ"بيت هويكيسترا"، المدير الأسبق للجنة الاستخبارات بالكونجرس ـ على تقارير حقوقية "ملفقة" عن انتهاكات حقوق الإنسان على يد "نظام القذافى"، واستخدام تلك التقارير كذريعة، للتدخل الدولى، وإصدار قرارات من قِبل "مجلس الأمن"، إذ كان مصدر أغلب تلك التقارير، هم "معارضو القذافى".. ومن ثمَّ.. كانت تتسم ـ فى مجملها ـ  بالمبالغة الشديدة (!)

 

ويضيف "بيت هويكيسترا": لكن.. لأن "أوباما"، وإدارته، سبق أن قرروا الإطاحة بالقذافى، بأى ثمن.. كانوا أن ألقوا ـ فى المقابل ـ بكل ثقلهم خلف "قوات التمرد الليبية"، لتحقيق ذلك الغرض.. ومن ثمَّ، دعموا ترديد تلك الادعاءات على نطاق واسع.. وهى ادعاءات ثبت ـ  فيما بعد ـ أنها كانت "كاذبة"، جملة وتفصيلاً، مثل:

  •  

(ب)-  ادعاءات المسئولين الغربيين بأن "القذافى" استخدم طائرات هليكوبتر "مسلحة"، لضرب المتمردين، وهو الادعاء الذى ردده "رئيس الوزراء البريطانى" فى 28 فبراير من العام 2011م، لفرض منطقة حظر للطيران على ليبيا (كان هذا الأمر جزءًا من الخطة الأمريكية، التى تحدثنا عنها بالحلقة السابقة).. إذ أكد تقرير مفصّل لـ"مجموعة الأزمات الدولية" ـ  فيما بعد ـ أنه لا يوجد دليل على هذا الأمر (!)

  • - ادعاء حدوث عمليات "اغتصاب جماعى" اقترفها جنود القذافى (ادعاء روجت له ـ فى حينه ـ قناة الجزيرة القطرية).. إلا أنّ كل من: "هيومان رايتس ووتش"، و"العفوالدولية"، و"مجموعة الأزمات الدولية"، نقت هذا الأمر، بعد سقوط نظام العقيد (!)

 

* * *

 

في أكتوبر من العام 2011م (4)، وبعد مصرع "القذافى"، كان أن وقفت ـ إذ ذاك ـ وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلارى كلينتون" أمام وسائل الإعلام، بنظرة لا تخلو من "الشماتة"، خلال عرض صور القذافى "صريعًا"، لتردد قائلة: "أتينا.. ورأينا أنه قد مات!".

 

لكن.. على أرض الواقع داخل "العمق الليبى"، كان العديد من "الدوائر الأمريكية"، يُعيد تقييم المشهد، بما يحقق المصالح الاستراتيجية الجديدة لـ"الولايات المتحدة".. وبما يسهم فى استثمار تلك الحالة على جوانب أخرى من بلدان "الشرق الأوسط.. فضلاً عن مخاوف مرحلة "ما بعد السقوط"، إذ إن ما تبقى من "ترسانة القذافى العسكرية" إلى جانب "طوفان الأسلحة" التى تدفقت على "المتمردين" من خارج البلاد، يُمكن أن يُشكل تهديدًا مستقبليًّا على المصالح الأمريكية، وهى فى طريقها للتدخل، لإعادة تشكيل النظام السياسى الليبى.

 

وأوضحت "تقديرات الموقف" الأمريكية، أنه رغم المحاولات المتكررة الخاصة بـ"المجلس الوطنى الانتقالى" للسيطرة على "الأسلحة".. إلا أن التقارير الواردة  من "جنوب سرت" بينت وجود "صواريخ سكود"، و"أسلحة كيماوية" منتشرة فى جميع أنحاء الصحراء (عرفت بعض تلك الأسلحة الكيماوية طريقها نحو سوريا، أيضًا!)..  كما أن قوات القذافى ـ خلال اندفاعها لخلع زيها العسكرى، والذوبان مرة أخرى بين جموع الشعب الليبى ـ  تخلت، على عجل، عن الكثير من قواعدها العسكرية، تاركة وراءها صيدًا ثمينًا من المدفعية.

 

وبينت التقديرات، أن "الدبلوماسيين الغربيين" قلقون من محاولات "تنظيم القاعدة" فى بلاد "المغرب العربي"، إقامة "حزام أخضر" عبر جنوب ليبيا.. وأن يستفيد "التنظيم" من غياب السلطة فى جنوب البلاد، ووفرة الأسلحة.. خصوصًا "الصواريخ المضادة للطائرات"، التى تطلق من الكتف، وباستطاعتها إسقاط الطائرات التجارية.. وهى صواريخ تم العثور عليها بحوزة مقاتلى "القاعدة" فى الجزائر وتشاد.

 

* * *

 

وفى سياق تحليل مشهد "ما بعد الرحيل"، أوضحت بعض التقديرات "البحثية" الأمريكية (5)، أن التوترات "القديمة" بين الفصائل الليبية، التى توحدت ضد "القذافى"، يمكن أن تظهر على السطح مُجددًا، بعد مصرعه.. وربما تقسمهم مرة أخرى.. إذ تشمل خطوط الانشقاقات السابقة القائمة فى ليبيا الانقسامات "القبلية والعرقية" (أى: العرب مقابل البربر)، والجغرافية (أى: الشرق مقابل الغرب).

 

كما ظهرت مخاوف جديدة حيال قيام عمليات انتقامية محتملة.. فعلى سبيل المثال: إن الـ 75 ألف شخص (سكان مدينة سرت)، الذين هربوا في أثناء الثورة، شرعوا فى العودة، ليجدوا مدينتهم منعزلة ومقفرة. وقد حذر أحد السكان قائلاً: (الناس فى سرت هم من البدو، والرجل البدوى لا ينسى الثأر لمظلمته.. نحن لن ننسى ما حدث فى سرت).. وعلاوة على ذلك، ما زال "المتمردون" (كان هذا بعد مصرع القذافى مباشرةً) يحتجزون نحو سبعة آلاف أسير حرب.. وفى مصراتة قامت قوات التمرد مؤخرًا بإطلاق النار، واعتقال، وضرب، وحجز مقيمين مُهجرين (غير مسلحين) من بلدة الطوارق المجاورة الموالية للنظام.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن إسلاميى ليبيا "المسلحون" عاقدو العزم على الحصول على السلطة السياسية التى حُرموا منها فى عهد القذافى. وقد قال أحد المتمردين الإسلاميين البارزين إن قواته "يجب أن يكون لها دور سياسى فى المرحلة المقبلة" على الرغم من تحذير مسؤول فى "المجلس الوطنى الانتقالى" ـ آثر عدم ذكر اسمه، بحسب التقرير البحثى ـ من أن "النفوذ الإسلامى المتنامى فى طرابلس يمكن أن يؤدى إلى انهيار سياسى وعسكرى.. وفي الوقت نفسه، هدَّد إسلاميون فى طرابلس بقتل صحفيين ينتمون إلى الصحيفة الليبرالية الوليدة "عروس البحر"، التى انتقدت أتباع زعيم "مجلس طرابلس العسكرى" بلحاج.. كما حذر رئيس "المجلس الوطنى الانتقالى" مصطفى عبد الجليل من "سرقة الثورة" (!)

 

* * *

 

إلى ذلك الحين.. كان المشهد الليبى، الذى أسهمت "الولايات المتحدة الأمريكية" فى تعقيده، عبر دعمها اللوجيستى، والتسليحى لقوات التمرد، فى حاجة إلى تدخلات من نوع مختلف، للحفاظ على مصالح "واشنطن".. ومن ثمّ.. انطلقت "التوصيات البحثية" من أنّ "الليبيين" فى حاجة ماسة إلى العودة إلى حياتهم الطبيعية بعد اثنين وأربعين عامًا من نظام حكمٍ، وصفوه بـ"غريب الأطوار"، إذ يؤمن أغلبهم بأن "القذافى"، تجنب ـ عمدًا ـ عدم الاستثمار فى "البنية التحتية"، ونظام التعليم فى البلاد (6)، وبالتالى فلديهم توقعات كبيرة بأن ليبيا سوف تستفيد من الانضمام إلى المجتمع الدولى.. ويصاحب هذه "النشوة" فى مرحلة ما بعد الثورة، امتنان عميق نحو أولئك الذين شاركوا فى عملية حلف شمال الأطلسى (أى: واشنطن، وحلفائها الأوروبيين).. وهو ما يمثل فرصة مواتية للولايات المتحدة.

 

وأضافت التوصيات: غير أن الحديث عن قيام تحالف دولى فى ليبيا بـ(قيادة قطر) بعد نهاية تفويض حلف شمال الأطلسى (الناتو)، والعروض الأمريكية الأخيرة، يُمكن أن تشير إلى إحدى نقاط الضعف بفلسفة "القيادة من الخلف".. كما أن الـ 135 مليون دولار من المساعدات "غير العسكرية"، التى تعهدت بها الولايات المتحدة.. تم تخصيصها، لتحديد مواقع "مخازن الأسلحة"، ومعالجة جرحى الحرب فى ليبيا.

 

أما المساعدات الإضافية ـ فنية أكثر منها مالية ـ  فينبغى تخصيصها، لتطوير "حكم رشيد".. وهو مطلب ضرورى، لتوحيد "متمردى ليبيا" فى مؤسسات عسكرية وأمنية وطنية (توضح ـ كذلك ـ تلك التوصية: لماذا تصر "واشنطن"، حتى اللحظة، على هذا المطلب).. وبعد ثبات الاستقرار يجب على واشنطن، أيضًا، أن تشجع إنشاء مؤسسات تعليمية عالية الجودة مثل: المنشآت التعليمية التركية والأمريكية الجديدة فى العراق.

 

وشددت التوصيات، على أن تركَ مهمة إعادة بناء البلاد لعناصر فاعلة أخرى (قطر نموذجًا)، سوف يمثل خسارة للنفوذ الأمريكى على أرض الواقع.. فـ"قطر"، التى كشفت ـ مؤخرًا ـ أنه كان لديها "مئات" الممثلين "فى كل منطقة" بليبيا، تسعى بحزم للعب دور فى نتائج الثورة.. إلا أن ذلك قد يكون "إشكالية" جديدة بالنسبة للولايات المتحدة، نظرًا لدعم قطر للإسلاميين مثل بلحاج وعلى شلبى (وهو رجل دين بارز عاش سابقًا فى المنفى)، فضلاً عن غيرهما من العناصر الفاعلة التى عارضت "المجلس الوطنى الانتقالى"، بصورة علنية.. وتفضل إقامة "دولة إسلامية" على دولة ديمقراطية بقيم إسلامية (!)

 

* * *

 

رغم أن العديد من الدوائر "النشطة"، التى دعمت إسقاط نظام القذافى (حتى وإن تم هذا عبر دعم جماعات العنف المسلحة فى ليبيا)، يمثل ـ فى مجمله ـ انتصارًا لسياسة أوباما فى تغيير أنظمة الشرق الأوسط، وامتدادًا استراتيجيًّا جديدًا للنفوذ الأمريكى بمنطقة "الشمال الإفريقى".. إلا أن رئيس لجنة الاستخبارات "الأسبق" بالكونجرس الأمريكى "بيت هويكيسترا"، يقول فى خلاصة كتابه (مهندسو الكارثة)، الصادر بالعام 2015م (7):

 

(إن استقرار ليبيا تحت سيطرة "القذافى"، كان أفضل من "الفوضى"، التى أعقبت الإطاحة به.. فعلى الرغم من نجاح "الناتو" فى القضاء عليه، إلاّ أنه دمّر ليبيا، ولم يفعل أى شىءٍ، لإصلاح ما أفسده "أوباما").. مضيفًا: (تلاشت ـ الآن ـ ليبيا من العناوين، إلى حد ما.. وتحوّل الاهتمام نحو "سوريا"، رغم أن الوقائع ـ على الأرض ـ مماثلة بشكل لافت للنظر!).

 

.. وما كان يعنيه "بيت" فى تلك الإشارة العبارة، هو أن "إدارة أوباما" لجأت للاستراتيجية نفسها (أى: استراتيجية دعم العناصر الإسلامية المسلحة، القريبة من القاعدة)، لإسقاط "نظام الأسد" بالطريقة نفسها التى أُسقط بها "القذافى".. إذ كانت "ليبيا" أيضًا، إحدى نقاط الارتكاز الرئيسية فى إعادة تدوير تلك الاستراتيجية، عبر تعاون مشترك بين أجهزة "واشنطن" الاستخبارية، ونظيرتها "التركية" (!)

 

.. وهو ما سيكون لنا معه وقفة، أخرى (الأربعاء المقبل).

 

الهوامش ||

 (1)

Pete Hoekstra (*): Architects of Disaster: The Destruction of Libya (The Calamo Press)- october 2015.

(*) the former chairman of the House Permanent Select Committee on Intelligence.

 

(2)

Pete Hoekstra (مصدر سابق)

 

(3)

Pete Hoekstra (مصدر سابق)

 

(4)

Pete Hoekstra (مصدر سابق)

 

(5)

Libya's Post-Qadhafi Challenges, by:  Andrew Engel (Washington Institute), November 2, 2011

 

(6)

Andrew Engel (مصدر سابق).

 

(7)

Pete Hoekstra (مصدر سابق)

 

 

Download Free Game
الصفحه نيوز