حامد حافظ يكتب: حديث الفتنة

Download Free Games

 

بقلم حامد حافظ

 

لم تشهد مصر رخاء كما شهدت فى الولاية الثالثة للسلطان "الناصر محمد بن قلاوون"، رغم حالة الحرب الممتدة التى شهدتها هذه الحقبة. كان الرجل فارسا مغوارا حارب التتار والصليبيين وكسر شوكتيهما. كان الجيش  المصرى فى عهده الأقوى، وكان السلطان يعين ولاة مكة والمدينة، وتدين له الشام، وتخطب باسمه المساجد فى اليمن وتونس، وتستجدى وُدّه ممالك أوروبا، بل تجاوز سلطانه كل هذا عندما دعم ملك الهند فى حربه ضد المغول. اهتم الناصر بن قلاوون بالعمارة وبناء الجسور، وازدهرت فى عهده الحياة الاقتصادية والثقافية.

 

 

لكن أهم ما ميز عصر بن قلاوون هو إقرار المواطنة للمرة الأولى بين المصريين؛ مسلمين ومسيحيين، فاختار من هؤلاء وأولئك كبار رجال الدولة، حتى اليهود كان بينهم الموظفون فى الدولة المصرية للمرة الأولى.

 

فى عهد  السلطان الناصر تجاوز المصريون مرحلة الجزية وسمح للعامة مسلمين ومسيحيين ركوب الدواب وكانت ممنوعة عليهم؛ وعلى وجه التحديد الخيل التى كانت حكرا على الأمراء والمماليك باعتبارها من مظاهر الحرب. كانت المناسبات الدينية فى عهد بن قلاوون أعيادا للمصريين جميعا، كان المسلمون يشاركون المسيحيين أعياد الغطاس، وكانت الشوارع والمحال تزين فى عيد النيروز بالفوانيس تماما كما كانت الحال فى الأعياد الإسلامية.

 

هذا التسامح الديني الذى عاشته مصر فى العصر المملوكي عامة.. وفى عهد السلطان الناصر بن قلاوون تحديدا أغضب المتشددين، فكان أن أحرق متطرفون مسلمون كنائس المسيحيين، من بينها كنيسة الزهرى وكنيسة الحمرا، فرد عليهم هؤلاء بحرق مساجد وأبنية أولئك، حتى استيقظت القاهرة على حرائق فى كل مكان.

 

ألقى القبض على اثنين من الرهبان.. وباستجوابهما قالا إنما نرد على حرق الكنائس. استدعى البطريرك فسأله السلطان الناصر عن فعل الرهبان، فأجاب إجابته الشهيرة: "هؤلاء سفهاء.. فعلوا ما فعله سفهاء آخرون". أراد الرجل أن يقول إن هؤلاء المتشددين المسيحيين سفهاء أحرقوا كما أحرق سفهاء متشددون مسلمون.

 

فى بداية الأمر تصدى السلطان للحادث بحزم، وأمر بالقصاص من المخربين من الجانبين، ولكن عندما ثار العامة بتأليب من المتشددين عندموا وصفوا لهم سياسات الناصر بأنها انتصار للمسيحيين، خاف السلطان من حدوث فتنة والصدام مع شعبه.. فتراجع عن حزمه ورضخ لمطالب الثائرين، ومن بينها إغلاق الكنائس وتسريح الموظفين المسيحيين.

 

لم يدم الأمر طويلا، وأعيد فتح الكنائس وتعيين الموظفين المسيحيين بعدما هدأت الأزمة. لكن تصرف الناصر أصبح نهجا ينتهجه كل من تلاه من الحكام؛ التجاوز عن محاسبة المخطئ الذى خرب وأحرق من الجانبين، الخوف من غضب الأغلبية ومحاولة تهدئة الأمور بأساليب لا تمت بصلة لقوانين تنظم الحياة داخل الدولة. تجاوزت مصر فتنة طائفية خلفت نارا ظلت مشتعلة تحت الرماد تنتظر الفرصة من وقت لآخر.. لتطل بلهيبها فتحرق ما تستطيع أن تحرقه فى هذا البلد.

 

 

لو صمد السلطان الناصر فى عزمه على التصدى لجرائم حرق القاهرة من جانب هؤلاء وأولئك، ربما كان بوسعه أن يخمد نار الفتنة فى مهدها أو حتى سَنّ سنة حسنة لمن جاء بعده كى يتصدى بحسم لمن أراد أن يحرق هذا البلد بدلا من اللجوء للتهدئة.

 

=====

 

فى عام 1972، وبينما كانت مصر تستعد لمعركة تحرير الأرض ورد الكرامة، أقام مسيحيون فى نادٍ لهم فى قرية من قرى القليوبية هى الخانكة - التى لم يكن بها كنيسة ـ أقاموا مذبحا وعقدوا صلاتهم، فثار المتشددون من مسلمى القرية وهاجموا النادى وأحرقوه، فكان رد البابا شنودة ـ الذى لم يكن قد استقر فوق كرسى الإسكندرية لأشهر قليلة رُوِّج خلالها لمنشورات تدعى قيامه بحملة تبشيرية ـ ما كان منه إلا أن سيَّر مسيرة من القساوسة والرهبان إلى الخانكة لإقامة قداس بها، وانضم إلى هؤلاء مسيحيون كثيرون جاءوا من أنحاء البلاد.

 

كانت المسيرة سلمية.. وفشل الأمن فى إيقافها، لكنها أثارت المسلمين الذين هاجموا ممتلكات لمسيحيين قيل إنهم أطلقوا النار عليهم. وانعقد مجلس الشعب لبحث هذا الصدام الذى ربما كان الأول من نوعه منذ أجيال بعيدة، وشكلت لجنة العطيفى التى وضعت تقريرها راصدا أحداثا رأى أنها ربما لها أثر فى حالة الاحتقان الحادثة، من بين ما أورده التقرير شائعات راجت عن تحول مسلمين إلى المسيحية، هذه الشائعات أكدت شكوكا لدى بعض المتشددين الذين اعتقدوا أن القساوسة والرهبان يمارسون التنصير سرًا.

 

اجتمع السادات بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية برئاسة شيخ الأزهر، ثم التقى بالبابا شنودة وقدم الوعود هنا وهناك، ومنها السماح للمسيحيين ببناء 50 كنيسة سنويا، لكن وزير الداخلية النبوى إسماعيل جمد منح تراخيص بناء الكنائس. فى الوقت ذاته قدمت لجنة العطيفى ملاحظاتها، وأهمها أن المصريين ـ مسلمين ومسيحيين ـ لا يدرسون شيئا عن عقائد بعضهم البعض إلا القشور، رغم أن هؤلاء وأولئك يعيشون على الأرض نفسها منذ قرون بعيدة، بل إن فترة التاريخ القبطى لا تدرس فى كتب التاريخ باستفاضة كما تدرس فترات التاريخ الفرعونى والإغريقى والرومانى، وبالطبع كان من بين الملاحظات قلة تمثيل المسيحيين فى المجلس النيابى وفى الوظائف الكبرى فى الدولة. وبالطبع لم ينظر إلى توصيات لجنة العطيفى كما لم يُنفذ أىٌ من الوعود والمسكنات، بل ولم يعاقب أىٌ من المعتدين.

 

لو تصدى السادات للعنف الطائفي فى أحداث الخانكة، ولو كان التزم بتوصيات لجنة العطيفى ولو كان أوفى بوعوده للمسيحيين، ربما كان وأد الفتنة فى مهدها.

 

=====

 

فى يونيو 1981، أعلن مسلمون حقهم فى قطعة أرض فى الزاوية الحمراء أراد أقباط أن يبنوا عليها كنيسة، ووقع خلاف على الأرض كان من الممكن أن يكون خلافا عاديا بين جيران على قطعة أرض، إلا أن ما زخر به عصر السادات من أحداث أشعلت الفتنة حولت الخلاف إلى صراع طائفى سقط فيه سبعة عشر مصريا بين مسلم وقبطى ـ بحسب شهادة حسن أبو باشا وزير الداخلية الأسبق، الذى انتقد سياسات سلفه النبوى إسماعيل وحمله كما حمله آخرون مسئولية تفاقم الأحداث فى الزاوية الحمراء.

 

فى الزاوية الحمراء، امتدت الاشتباكات لـ 3 أيام، سقط فيها 17 قتيلا، وقال عنها السادات فى خطابه الشهير: "غسيل فى بلكونة مواطن نزلت منه ميه على غسيل فى بلكونة المواطن اللى تحتيه.. والظاهر انها ميه مش ولا بد يعنى.. بس.. تتحول لإشاعات مؤسفة ويترتب عليها أحداث تتصور للعالم أن فى مصر فتنة طائفية.. فيه ناس بينفخوا فى النار وبيستخدموا الولاد الشبان الصغيرين وقود للنار دى.. أنا باحذرهم جميعًا وبقولهم إن الديمقراطية لها أنياب وتقدر تحافظ على نفسها".  

 

أنياب الديمقراطية حاكمت أكثر من 500 شخص بتهم التحريض على الفتنة، كما أغلقت الصحف التى رأت أنها مسئولة عن الفتنة مثل: الدعوة والاعتصام ووطنى والكرازة، إضافة لسحب ترخيص جريدة الشعب. كما تم اعتقال الشيخ كشك والشيخ حافظ سلامة ويوسف البدرى.. ومن الجماعات المتطرفة حلمى الجزار وغيره.. وامتدت الاعتقالات لتشمل عمر التلمسانى مرشد الإخوان وفؤاد سراج الدين زعيم حزب الوفد بتهم الإثارة والعبث بالوحدة الوطنية.. لندخل فى حملة اعتقالات خريف 1981 التى لم تترك صاحب رأى وفكر ـ هذه الحملة استهدفت خصوم السادات من رافضي كامب ديفيد. هل هناك علاقة بين كامب ديفيد ومحاولات إثارة الفتنة الطائفية فى مصر؟

 

لا جدال أن السادات بحق بطل الحرب وبطل السلام.. لكن لا جدال فى أن سياسات السادات من أول إخراج مارد الإسلام السياسى من القمقم مرورا بخلافاته مع الكنيسة وبطريركها وإطلاق شائعات قيام البابا شنودة بحملة تنصير ثم استدعاء قانون الردة واستحضار المادة الثانية للدستور ـ وهى لم يكن منصوصًا عليها به من قبل ـ ولم يكن هناك خلاف على أن الدين الرسمى لمصر هو الإسلام.. كل هذا قاد إلى إيقاظ الفتنة الطائفية، ومع سياسات وزير داخلية السادات النبوى إسماعيل فى التعامل مع حالات الاحتقان الطائفى، انتهت بنا الحال إلى كارثة أحداث الزاوية الحمراء التى استغلها السادات للتنكيل بخصومه السياسيين.

 

أضف إلى كل هذا سياسات السادات المثيرة للجدل - التى لم يكن آخرها معاهدة السلام مع إسرائيل ـ لتنتهى بنا الحال إلى الحدث الأكثر مأساوية فى تاريخ مصر الحديث؛ اغتيال الرئيس محمد أنور السادات.

 

لو لم يداهن السادات تيار الإسلام السياسى للقضاء على التيار الناصرى.. لما كان ما كان.

 

== ==

 

 

على مدار ثلاثين سنة، عرفت مصر أحداثا طائفية فى منفلوط 1990 وديروط 1991 والقوصية 1994وكفر دميان 1996 ونجع حمادى 1997 والكشح  1998 و2000 والإسكندرية 2005، ثم كنيسة القديسين بالإسكندرية مجددا 2011 ثم كنيسة أطفيح ثم كنيسة إمبابة 2011 ثم ماسبيرو 2011 مرة رابعة ثم الفيوم 2013 سمالوط 2015 ثم المنيا 2016.. سواء كان السبب جريمة شرف أو خلافًا ماليًا أو على بناء كنيسة، فى كل مرة كان القانون غائبا وكان الصوت العالى هو ما يحرك الأحداث. طرف يضغط بصوته العالى وسلطة تبحث عن التهدئة من دون أن تحاول إخماد جذوة الفتنة التى تختفى حينا تحت الرماد، ثم تعود لتشتعل مجددا فى مكان آخر لسبب آخر مطمئنة لعدم وجود قانون يردع أو قصاص يضع حدا لأخطر مشكلة تهدد نسيج الوطن ووحدته.

 

 

== ==

 

فى المؤتمر الصحفى الذى جمع الرئيس الفرنسى فرانسوا أولاند والرئيس عبد الفتاح السيسى خلال زيارة الأول للقاهرة فى إبريل الماضى قال أولاند: "إن مكافحة الإرهاب تفترض حزمًا.. ولكن أيضا دولة، دولة قانون".

 

أراد أولاند خلال الزيارة أن ينصح المصريين.. تحتاجون لأن تكونوا دولة.. تحتاجون إلى القانون. بالقانون ستتجاوزون الإرهاب.. وبالقانون تغلقون أبواب الفتنة.

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن) الصفحة(NEWS 

Download Free Game