4 جماد الاول 1439 / ٢٠ - يناير - ٢٠١٨

محفوظ بشرى يكتب: البُطَا.. تراث سودانى لا يموت

Download Free Games

 

بقلم محفوظ بشرى

 

جامدًا يقف الشاب، عارى الجذع والسوط يهوى على ظهره، مرة وأخرى وثالثة، حتى يسيل دمه، لكنه لا يحرِّك ساكنًا، ولا ينبس بحرف، أو يبدى ما يشي بالألم الواقع عليه، فإن أظهر شيئًا من هذا، ولو برفَّة جفن فقط؛ حينها سيلبسه العار ويوصم بالجبن، وهو ما تستحيل الحياة معه فى مجتمعات السودان الريفية، التى تُعلى من قيمة "الرجولة" إلى حدّها الأقصى، وتضعها مقابلًا للتحمُّل والجَلَد.

 

تُعرف هذه العادة فى السودان بـ"البُطَان"، وهى وفقًا لقاموس اللهجة العامية فى السودان؛ نوعٌ خاص من الجَلْد بالسوط، ويكون على الظهر العارى من فوق الكتف، ويمارسه الشبان لإبراز شجاعتهم أمام الفتيات، لا سيما فى طقس "السِّيَرَة" الذى يُعد أشهر طقوس العرس السودانى، وفيه يسير العريس من بيته إلى بيت عروسه، مصحوبًا بأهله ومشيَّعًا بالأغانى والزغاريد.

 

بدايات تاريخية

 

تعود بداية ظهور عادة البطان فى السودان، على أرجح الآراء، إلى فترة الحكم التركى المصرى "1821 ـ 1885م"، حيث سنَّ المحتلون الأتراك عقوبة الجلد للسودانيين، حال مخالفتهم القوانين، أو تأخرهم عن دفع الضريبة المفروضة، فجاء رد الفعل الشعبى من السودانيين على العقوبة المهينة، عن طريق ممارستها فى أفراحهم استهانة بها، وليظهروا للحكام الأتراك قدرتهم على تحملها، واحتقارهم لها كعقوبة، وهو ما أدى لاحقًا إلى جعل أكثر العقوبات مالية، بدلًا من الجلد.

 

ونجد صدى لعقوبة الجلد التركية، فى الشعر الشعبى السودانى، فى تلك الفترة وما بعدها، مثلما هى الحال عند الشاعر إبراهيم الفرَّاش "1847 ـ 1883م"، الذى اشتهر بهجائه لضابطه المسئول عنه، بسبب اعتماده عقوبة الجلد للسودانيين المجندين فى الجيش التركى المصرى، وأحدهم كان الشاعر الفرَّاش.

 

دليل القوة والشجاعة

 

خلال الفترة التركية وما بعدها، ظل البُطَان حيًا، بوصفه طريقة لإظهار الشجاعة والقوة فى المناسبات الاجتماعية، وشهدت بدايات القرن الماضى انتشاره بكثافة فى مناطق السودان المختلفة، حتى إن مؤرخًا مثل نعوم شقير "1863 ـ 1922م"، أفرد لوصفه مساحة مقدرة من كتابه "جغرافية وتاريخ السودان"، الذى ألّفه فى مطلع القرن العشرين. حيث يورد شقير، أسباب البُطان وأنواعه المختلفة، وطرق ممارسته. فبخلاف إظهار الرجولة والشجاعة أمام الفتيات فى احتفالات العرس؛ فإن البُطان كان فيصلًا بين المتخاصمين من الشبان، فإذا اختلف  شابّان لسبب من الأسباب؛ دعا أحدهما الآخر إلى البُطان، فإن رفض عُد جبانًا ورفضت البنات زواجه واحتقره مجتمعه الذى يعيش وسطه، وإذا رضى؛ أخذ كل منهما سوطاً، وجمعا الناس للشهادة عليهما، ثم يشرعان فى ضرب بعضهما بالتناوب، إلى أن يسقط أحدهما من شدة الضرب.

 

كذلك إذا أحب شاب فتاة، وزاحمه عليها آخر، فإنه يطلبه للبُطان، ويفوز بها الغالب. أيضًا قد يكون البطان لمجرد المباهاة فى حلقة "الدَّلُّوكَة"، وهى طبل شعبى تُغنى على إيقاعاته أغاني الحماسة والفروسية، وفي هذه الحال يأتى من أراد البُطان إلى ضاربات الدَّلوكة، ويهز سوطه فوقهن قائلًا: "ابشرن بالخير"، ثم يقف الجميع صفًا واحدًا، ويبرز أولهم فيضرب كلَّ من فى الصف، ويرمى السوط قبل أن يعود إلى مكانه فى الصف، ليبرز الثانى ويتناول السوط ويفعل مثله، وهكذا إلى أن يأخذ كل واحد منهم نصيبه ضاربًا ومضروبًا.

 

أما فى العرس، وهى الطريقة المنتشرة حتى اليوم؛ فيقوم العريس أو شقيقه بجلد الشبان الراغبين فى البُطان، وفى الغالب يكون ذلك سدًا لديْن للعريس على من يضربهم، إذ يكون قد تلقى الجلد فى زيجاتهم من قبل، كنوع من المجاملة الاجتماعية.

 

انحسار وانحصار

 

وبخلاف ما كان سائدًا قديمًا؛ فإن البطان اليوم أصبح محصورًا فى احتفالات الزواج لبعض الأسر والقبائل التى لا تزال متمسكة بهذه العادة، وهو فى الريف السودانى أكثر منه فى المدن، وإن لم تخلُ حتى العاصمة الخرطوم من ممارسة البُطان، على خلفية النزوح المتواصل إليها من الريف السودانى، حيث يأتى إليها النازحون بعاداتهم وتقاليدهم. إلا أن هذه الممارسة اليوم لم تعد منتشرة مثلما كانت، فى ظل الدعوات المتواصلة إلى محاربتها، بوصفها عادة ضارّة ولها آثارها الصحية السلبية. إلا أن الوعى بخطورتها لم يعفِ حتى طلاب الجامعات السودانية من ممارستها فى احتفالاتهم التراثية.

 

فى السودان، دائمًا ما تواجه حملات التوعية ضد "العادات الضارة" مقاومة اجتماعية فى حال تم توجيه الحملة إلى إحدى العادات التراثية التى يرتبط بها السودانيون بوصفها هويتهم المميزة لهم عن باقى الشعوب فى العالم، فمن قبل فشلت حملات محاربة استخدام دخان حطب شجر "الأكاشيا" فى طقوس العرس السودانى، مثلما لم تتوقف أىّ من الطرق التى ينظم بها السودانيون احتفالاتهم الطقسية فى الزواج والختان والموت، لذا لم يكن مستغرَبًا تجاهُل الدعوات للتخلى عن البُطان رغم كل الأسباب المنطقية التى أبرزتها الحملة ضده.

 

ثمة جانب آخر ينبه إليه دعاة محاربة البُطان، ويتعلق بنشر الأمراض المنقولة عبر الدم، حيث يُجلد الشباب فى البُطان حتى تسيل دماؤهم، ومن ثم بالسوط الملطخ بالدماء نفسه، يُجلد آخرون، مما يرفع احتمالات نقل العدوى بينهم عبر الجروح العميقة التى يحدثها السوط فى الأجساد، إن كان أحدهم يحمل مرضًا ينتقل عن طريق الدم. لكن هذه المخاطر كلها لا تزال تتضاءل أمام قوة العرف الاجتماعى، الذى يعد من يصبر على هذ الضرب المبرح؛ شجاعًا ورجلًا قويًا، وهو ربما السبب الذى جعل هذه العادة التراثية تحيا لكل هذه السنين.

 

أيضًا نجد أن بعض المنتمين إلى قوميات وقبائل بعينها فى السودان، يحافظون بحرص على البُطان حتى اليوم، بوصفه إرثًا يميزهم عن بقية سكان السودان، بسبب ارتباطهم المتواصل تاريخيًا بهذه العادة التي يعتقدون أنهم أول من بدأها، ويمثل هذا فخرًا قوميًا لهم يعملون على ربطه بقيم الرجولة النمطية المشتركة فى ما بينهم.

 

لكنَّ كثيرًا من المصادر التاريخية السودانية، تكاد تجزم بأن البُطان، ظلّ عادة ممارسة فى السودان ككل، ولم يختص بها قوم دون آخرين، إلا فى مراحل تاريخية لاحقة، بعد تخلى الكثيرين، بفعل التمدن، عن تلك العادة، إلى حدّ خفوتها فى نهايات القرن الماضى فى أغلب مدن وقرى السودان. لكن فى العقدين الأخيرين تزايدت ممارستها من جديد من قبل الشباب الساعين إلى إظهار الشجاعة، وكبرهان على أصالتهم، عن طريق إحياء عادات سودانية خالصة مثل البُطان.

 

 

برغم كل الدعوات لإيقافه، ومع المقاومة التى يبديها كثير من المثقفين؛ فإن البُطان لا يبدو فى طريقه إلى الانقراض قريبًا، خصوصًا فى المناسبات التى تقام فى الأرياف السودانية. فرغم تناقص ممارسته كثيرًا فى فترات عدّة، فإنه لا يفتأ يعود من الضمور الذى يحل به، لينتشر من جديد إلى حين خفوته من جديد، وهكذا، ما يجعله عادةً عصية على الموت رغم قسوتها.

 

عن مجلة تراث الإماراتية

 

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عنالصفحة(NEWS

Download Free Game
الصفحه نيوز