7 شعبان 1439 / ٢٢ - أبريل - ٢٠١٨

عش الدبابير (1)

إيهاب عبد الله يكتب: ذكريات 25 يناير 2011

عش الدبابير (1)
Download Free Games

إيهاب عبد الله

e_awad_1@hotmail.com

 

  • مقدمة

في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير قررت الكتابة عن موضوعات كنت أُفضل البعد عن الحديث أو الكتابة عنها الفترة الماضية، إلا أنني رأيت أن السكوت خيانةٌ في الوقت الحالي.

ثلاثة مقالات بعنوان "عش الدبابير" أتمنى من الله أن أكون موفقًا في كتابة بعض من خواطري؛ لتلخص ما حدث، وما سيحدث مستقبلًا في مصر من وجهة نظري، وقد تكون خارطة طريق لبعض الشباب كي يضع أرجله على بداية الطريق، بعد أن يدرك الحقيقة كاملة في أهم حقبة في التاريخ الحديث لأعظم وأعرق دول العالم.

فصفحات تغير الحُكام والسُلطات بمصر لها طبيعتها الخاصة في كتب التاريخ العالمية قديمًا وحديثًا، بل إن التجربة المصرية الحالية في تغيير السلطة مع الحفاظ على الدولة بأقل الخسائر، أصبحت تجربة ملهمة لدول عديدة بالمنطقة، والتي تنتظر مصيرها من التغيرات الإقليمية الحالية.

واستطاعت التجربة المصرية مقاومة الفكر الشمالي الذي حاول جاهدًا السيطرة على مقدرات الشعوب بالمنطقة، ورسم سياساته حسب مصالحه ورغباته.

المقال الأول من سلسلة "عش الدبابير" يحمل عنوان "ذكريات 25 يناير 2011" ويتناول تجربتي بين القاهرة والسويس خلال الفترة من 25 يناير حتى يوم تنحي الرئيس مبارك في مساء 11 فبراير.

والمقال الثاني بعنوان "هل يصلح رجال مبارك اليوم"، تحدثت فيه عن محاولة وصول رجال مبارك والحزب الوطني مرةً أخرى لمراكز القرار بالدولة بعد وصول الرئيس السيسي للرئاسة، وما أوجه الاستفادة أو الخسارة التي قد تعود على الدولة المصرية في حال استمرار وجودهم في الدائرة السياسية أو الاقتصادية، على الرغم من فشلهم سابقًا، حتى أصبحوا السبب الرئيسي في قيام ثورة يناير ضد نظام مبارك.

والمقال الثالث والأخيرة يحمل عنوان "هل ممكن المصالحة مع الإخوان الآن؟"، وفيه نتناول موضوع المصالحة الذي أصبح يطرح نفسة حاليًا، وسواء كانت مصالحات أو مراجعات، هل يتقبل الشعب مثل هذه المراجعات مع تنظيم استطاع أن يحفر اسمه بحروف من نار في سجلات التنظيمات الإرهابية؟ و من هم و ما هي الشروط الواجب توافرها في من يشارك في هذه المصالحة؟

ذكريات 25 يناير 2011

صباح 25 يناير لم أتوقع ومعي الكثير، أنها النهاية، نهاية أقل ما يمكن وصفها بأنها نهايةٌ دراماتيكيةٌ لفترة حكم استمرت 30 عامًا، تولى خلالها الرئيس مبارك حكم مصر، وخلال هذه الفترة استطاع الرئيس مبارك منع التدخلات الخارجية على الأرض المصرية قدر المستطاع، في وقت أصبحت دولٌ بالمنطقة إحدى الولايات الأمريكية، وعلى أرضها أُنشئت أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في العالم، إبان الغزو الأمريكي للعراق.

كانت أماني المصريين المخلصين والمحبين لوطنهم، أن يتم انتقال السلطة في مصر- الذي كان واضحًا للجميع أنه قد آن أوانه - بشكل طبيعي وسلس وأكثر تحضرًا، ولكن الكيفية وعلى من يقع الاختيار كانا لغزين مجهولين، ولم أتخيل ولو للحظات أنه من الممكن توريث الحكم في مصر على غرار سوريا، ولم أتخيل أيضًا أن يكون الانتقال بهذا الشكل الدراماتيكي، لكنها أولًا وأخيرًا إرادة الله عز وجل.

أيامٌ لا تُنسى

خلال اعتصام المتظاهرين في الفترة من (28 يناير- 11 فبراير) في ميدان التحرير والعديد من ميادين الجمهورية، كان وقتي مقسمًا بين ميدان التحرير؛ نظرًا لطبيعة عملي بالقاهرة، وميدان الأربعين بمدينتي السويس، المشتعلة بنيران الثورة، نظرًا لوضع زوجتي مولدنا الثاني (محمد) الذي رُزقنا به قُبيل الثورة بـ 5 أيام فقط، وبالمناسبة هناك سببان لتسمية مولودي الجديد بهذا الاسم، السبب الأول نسبةً لسيد الخلق سيدنا "محمد" علية أفضل الصلاة والسلام، فكنت أرى أن الاسم لم يصبح منتشرًا عن ذي قبل، وأصبحت الأسماء الجديدة هي المتداولة أكثر، وتأكدت من ذلك الآن عندما علمت من طفلي أنه الوحيد بالفصل الذي يحمل اسم "محمد"، بعدما كان نصف الفصل يحمل اسم "محمد" على أيامنا، أما السبب الثاني فكان نسبةً "للقائد الأعلى للقوات المسلحة"، و"قائد القوات الجوية" في حرب أكتوبر 73 الرئيس محمد حسني مبارك، و"القائد العام وزير الدفاع" المشير محمد حسين طنطاوي، فانتمائي وولائي لقواتنا المسلحة المصرية كسويسي لا حدود لها.

وعلى الرغم من أن البعض قد يلوم عليَّ ذكر هذه النقطة، فإنني فضلت كتابتها الآن، وبعد تأييد الحكم على الرئيس مبارك ونجليه في قضية القصور الرئاسية والسجن 3 سنوات والغرامة المالية، ليس تملقًا أو استحسانًا من أحد، ولكن ولاءً لفترة من حكم مصر لها ما لها وعليها ما عليها.

وعند نزول القوات المسلحة للشارع بعد أحداث 28 يناير، تأكدت أنه قد حان وقت التغيير المنتظر، ووجب عليَّ النزول ومراقبة الأحداث عن قرب أولًا كمصريّ وثانيًا كإعلاميّ؛ من أجل إدراك الأسباب الحقيقية وراء هذا الحراك الشعبيّ، الأسباب التي تأكدنا منها بعد ذلك، واكتشفنا مخططات الإخوان في اقتحام السجون بالتعاون مع جهات خارجية، مخططات من أجل الوصول إلى الحكم، ومخططات الشباب الممول من جهات خارجية أخرى تريد السيطرة على مقدرات الشعوب، بالإضافة إلى بعض الإعلاميين وقنواتهم المأجورة لقلب نظام الحكم بمصر. كنت أشاهد بنفسي الاجتماعات المتبادلة بين الجهات الثلاث، وكيف يتم تداول نتيجة الاجتماعات بين المتظاهرين والشباب بالميدان، شباب تواجد بالميدان للتعبير عن رأيه لأول مرة في حياته؛ من أجل عيشه كريمة وحياة أفضل وعدم التهميش، الى أن استطاع ثلاثي الشيطان بالميدان (إخوان- شباب ممول- إعلام مأجور) تصعيد مطالب هؤلاء الشباب، الى أن وصلت إلى تنحي الرئيس، كما كانوا هم يأملون وليس الشباب.

السويس والمواجهات المسلحة

تطورت الأحداث بشكل غريب يومي 26 و27 يناير بميدان الأربعين بالسويس، وسقط أول الشهداء، وبعدها تم إحراق وحدة مطافي واقتحام قسم شرطة الأربعين.

كنت على علم جيد بالوضع السياسي والاقتصادي بالسويس، فموقع السويس فرض على الدولة إنشاء أكبر المدن الصناعية في مصر بمنطقة العين السخنة، وفي تقديري أن السويس كانت من الممكن أن تصبح قصة نجاح السياسة الاقتصادية للرئيس مبارك، بدلًا من أن تكتب قصة نهايته.

وتميزت المنطقة بالصناعات الثقيلة وكثيفة العمالة التي تطورت بشكل كبير، وأصبحت رواتب العاملين بها كبيرة جدًا، بالمقارنة مع نظرائهم بمناطق أخرى مثل 6 أكتوبر والعاشر من رمضان؛ لأنها تتطلب عمالة مدربة في المجالات البحرية والغاز الطبيعي والبترول والأسمدة، وهو ما يتمتع به أبناء السويس لخبراتهم المتوارثة.

إذًا فما الأسباب التي جعلت الشباب يواجه الشرطة مواجهةً مسلحة كما رأيتها بالتليفزيون قبل عودتي للسويس صباح 29 يناير؟

وبسؤال الشباب المتواجد في ميدان الأربعين أكد لي أنه خلال اليومين الماضيين وخلال المظاهرات لاحظ أمرين، الأول عدد من البلطجية من قرى السويس، يعرفونهم جيدًا، كان هدفهم إخراج مساجين زملائهم من قسم الشرطة، والأمر الثاني أشخاصٌ لا نعرفهم، على حد قولهم، ليسوا سوايسة ولكنهم مصريون، فنحن لنا طريقتنا في الحديث تختلف عن طريقتهم، بالإضافة إلى أنهم لا يعرفون جغرافية المكان، وأيضًا كان هدفهم اقتحام قسم الشرطة، واستمر وجودهم 4 أو 5 أيام ثم اختفوا تماماً.

في تقديري يرجع السبب الرئيسي لثورة شباب أبناء السويس إلى البطالة، فرغم المنطقة الصناعية بالعين السخنة، وشركات البترول، ومصانع البتروكيماويات كما ذكرت، كان أبناء السويس يعانون من البطالة، فعدد سكانها الصغير (600 ألف نسمة فقط)، ومواردها الكبيرة، لم يشفعا لها للقضاء على البطالة، بسبب أن قيادتها السياسية حينها وأصحاب المصانع والشركات يستقدمون العمالة من خارج السويس بشكل مستفز للشباب، فأصبح خير البلد لغيرها، كما يقول أهلها، هذا ما كنت أعلمه وهو ما أكده لي المتظاهرون من شباب السويس.

شهادتي من التحرير

أتذكر 3 أيام و4 ليالٍ قضيتها داخل ميدان التحرير، وكانت مناقشتي مع شباب المتظاهرين، بعضهم لا ينتمي لأيّ من الفئات الثلاث السابقه (إخوان – شباب ممول – إعلام مأجور)؛ لأن هذه الفئات كانت تضع أمامها هدفها، وتتجاهل أيّ رأي أو شخص يحاول تغير وجهة نظرها كما سأوضح لاحقًا.

وأدركت أن هؤلاء الشباب غير المنتمي إلى أيّ التيارات الثلاث، مثل أقرانهم بالسويس، نزلوا للتعبير عن رأيهم الرافض للوضع الذي وصلت إليه مصر والبطالة التي فاقت الحدود.

ولم يتخيل أحدٌ منهم أن ما يقوم به هو تنفيذٌ لأهداف وسياسات خارجية رسمت بدقه ومنذ سنوات لإحداث تغيرات دراماتيكية في نظم الحكم بالشرق الأوسط، كل دول الشرق الأوسط باستثناء إسرائيل لتدعيم تواجدها بيننا، سياسة تمت دراستها ورسمها بدقة متناهية، وبدأ تنفيذها مباشرةً بعد القضاء على الاتحاد السوفيتي، وأصبحت منطقة الشرق الأوسط هي الهدف الحالي.

محاولاتٌ مني لشرح لهم هذه الأفكار للمجموعات المتواجدة بالميدان والشوارع الجانبية، فهي أفكار أحملها وحدي، وكانت وقتها مجرد خواطر تشغلني وتطاردني، والتي استطعت خلال دراستي العليا في الإعلام الدولي وقتها، من فك بعض رموز الأحداث الجارية، وكيفية تأثير إعلام دول الشمال على دول الجنوب، وما هو عُرف مؤخرًا بحروب الجيل الرابع، والفضل يرجع لأساتذتي بكلية الإعلام.

كانت أفكاري تقابل بالاستهجان والنفور، بل وصلت كثيرًا للسخرية والاشتباك، وغالبًا ما كنت أعذر الآخرين لجهلهم ببواطن الأمور، ولكن الشيء الغريب هو الاستهجان، والنفور من الشخصيات السياسية والعلمية المتواجده بالميدان، وأتذكر أحد النقاشات بمقهى في أحد الشوارع الجانبية لميدان التحرير، مع مجموعة من المثقفين، بينهم إعلامية سابقة وزوجة رئيس حزب هارب الآن، والتي امتنعت عن استكمال الحديث معي بطريقة أقل ما يقال إنها غير أخلاقية، وأدارت وجهها لي أثناء مناقشتي معها حول التدخلات الأجنبية بالمنطقة، وشرحت لها أنني بنفسي قد ضبطت أحد الأشخاص الذي ينتمي لدولة عربية جارة، وهو يقوم يتوزيع النقود على بلطجية بالميدان بجوار الجامعة الأمريكية، من أجل زيادة التوتر وشحن المتظاهرين ضد رجال الشرطة، وتم تسليمه للشرطة العسكرية بالميدان وقتها متلبساً. لكن لا أمل!

يوم التنحي وقناة الجزيرة

لم أستطع إقامة عقيقة طفلي الجديد الذي رُزقنا به قبل الثورة بـ5 أيام، نظرًا للأحداث وحظر التجول وقنابل الغاز التي كاد دخانها يقتلنا، بسبب قرب مسكننا من مديرية الأمن ومبنى المحافظة بالسويس، ولأنه لابد من العودة للقاهرة مع أسرتي مرة أخرى، قررنا أن تكون العقيقة يوم الجمعة 11 فبراير، على أن نعود للقاهرة السبت.
وفي يوم 11 فبراير بعد ذبح العقيقة وبعد صلاة الجمعة، جلست على المقهى أسفل المنزل أتابع الأحداث من خلال حاسبي الشخصي، وخلال قناة الجزيرة التي كانت تنقل نقلًا مباشراً للأحداث في مصر أولًا بأول، (لم يكن دورها الذي اتضح بعد ذلك معروفاً للعامة) وخلال مكالمة هاتفيه لمذيعة الجزيرة مع المسئول بالسويس عن الحزب السابق ذكره الذي لا يزال رئيسه هارباً حتى الآن، أخبرها المسئول بأن الثوار في السويس استطاعوا اقتحام مبنى محافظة السويس، وأصبح المبنى الآن تحت سيطرة الثوار.

ولأن هذا الخبر عميق في أثره، قررت أن أذهب لمبنى المحافظة الذي يبعد دقيقتين بالتمام والكمال عني، وأغلقت حاسبي وذهبت لأشاهد بنفسي الثوار وهم يرفعون علم الثورة فوق مبنى المحافظة!

وكانت المفاجأة .. لم أجد سوى 15 شخصاً أمام المبنى يهتفون من أسفلها بينهم هذا المسئول المتصل، مكثت دقائق معهم وغادرت، وعند عودتي أدركت تماماً الدور الخبيث الذي تلعبه قناة الجزيرة في الثورة المصرية بالتعاون مع مصريين ضعفاء النفوس لهم أغراض خبيثه، وشاهدت المئات من المواطنين مسرعين نحو مبنى المحافظة، وسألتهم إلى أين؟ فكان الرد كما أوردته الجزيرة على لسان المسئول السويسي: "لقد اقتحمنا المحافظة.. الجزيرة قالت كده"، وبالفعل وخلال دقائق معدودة وصل عدد المتظاهرين أمام مبنى المحافظة إلى الآلاف بعد أن كان عددهم 15 شخصاً فقط، ولم يستطيعوا اقتحام المحافظة لبسالة رجال التأمين من القوات المسلحة.

بعدها أبلغت أحد أصدقائي وأساتذتي الإعلاميين الكبار الذي كان يعمل وقتها بإحدى القنوات العربية المحايدة بهذه المعلومة، وبدوره أدرك وتيقن الدور الذي يلعبه الإعلام في الثورة المصرية، وفي اليوم التالي وأثناء استضافته للإعلامي الكبير حمدي قنديل ببرنامجه، أعلن أنه سوف يتحدث في الحلقة القادمة عن الشأن الداخلي للدولة صاحبة القناة التي يعمل بها، إلا أنه كان الظهور الأخير له على شاشتها حتى الآن.

وفي المساء أقمنا عقيقة طفلي، وأثناء تناولنا العقيقة ظهر اللواء عمر سليمان على شاشة التليفزيون المصري، ليعلن تنحي الرئيس مبارك عن الحكم، وتفويض القوات المسلحة لإدارة شئون البلاد، لتبدأ حقبه تاريخية جديدة من حكم مصر.

  • غدًا .. الجزء الثاني من (عش الدبابير): هل يصلح رجال مبارك اليوم؟

كل ما ورد بالمقال أعلاه على عهدة الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن (الصفحة NEWS)

Download Free Game
الصفحه نيوز